في تطور لافت وسط التوترات المتصاعدة، أرسلت ايران ردها على المقترح الاميركي الاخير لانهاء الحرب عبر الوسيط الباكستاني، وذلك في الوقت الذي اندلع فيه حريق بسفينة شحن قبالة سواحل قطر، ما يثير المخاوف بشان امن الملاحة في الخليج العربي.
وتنتظر واشنطن رد طهران على مقترح جديد يهدف الى انهاء الصراع الدائر، واعادة فتح مضيق هرمز امام حركة الملاحة الدولية، وتقليص البرنامج النووي الايراني.
وشهدت الايام القليلة الماضية تصعيدا ملحوظا في حدة الاشتباكات داخل المضيق ومحيطه، منذ بدء سريان وقف اطلاق النار قبل شهر، اذ تعرضت الامارات العربية المتحدة لهجوم جديد يوم الجمعة.
واضافت وكالة "ارنا" الرسمية، ان الرد الايراني جاء بعد دراسة متأنية للمقترحات الاميركية، وصياغة الملاحظات النهائية من قبل طهران، مبينا ان الخطة المقترحة تركز حاليا على المفاوضات المتعلقة بانهاء الحرب في المنطقة.
وجاء هذا التطور بعد فترة من الهدوء النسبي الذي ساد مضيق هرمز في وقت سابق من يوم الاحد، عقب ايام من التصعيد المتقطع، بينما كانت الولايات المتحدة تترقب رد ايران على احدث مقترحاتها لانهاء القتال المستمر منذ اكثر من شهرين، والشروع في محادثات سلام.
وعبرت ناقلة غاز طبيعي قطرية مضيق هرمز، لاول مرة منذ بداية الصراع مع ايران، متجهة الى باكستان، وذلك في خطوة تزامنت مع استمرار انتظار واشنطن للرد الايراني على المقترحات الاميركية.
رسالة وسط النيران
وبعد حوالي 48 ساعة من الهدوء النسبي الذي اعقب اشتباكات متفرقة شهدها الاسبوع الماضي، رصدت الكويت عدة طائرات مسيرة معادية في مجالها الجوي في وقت مبكر من يوم الاحد، وفقا لما افادت به السلطات.
وتوضح ادارة ترمب ان وقف اطلاق النار الذي يسري منذ شهر لا يزال قائما، الا انه تعرض لاختبارات متكررة، مع تقييد ايران لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لتدفق النفط عالميا، وفرض الولايات المتحدة حصارا على الموانئ الايرانية.
وفي الهجوم البحري الذي وقع يوم الاحد، اوضح مركز عمليات التجارة البحرية البريطانية ان الضربة تسببت في اندلاع حريق محدود على متن السفينة، وقد تم اخماده، واضاف المركز ان الهجوم وقع على بعد 23 ميلا بحريا، اي حوالي 43 كيلومترا، شمال شرقي العاصمة القطرية الدوحة.
واضاف المركز انه لم ترد تقارير عن وقوع اصابات، ولم يقدم تفاصيل حول هوية مالك السفينة او مصدرها، كما لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.
وشهد الاسبوع الماضي عدة هجمات استهدفت سفنا في الخليج العربي، ويوم الجمعة، استهدفت الولايات المتحدة ناقلتي نفط ايرانيتين، بعد ان اتهمتهما بمحاولة خرق الحصار المفروض على الموانئ الايرانية.
واعلن الجيش الكويتي، يوم الاحد، انه تصدى لهجوم بطائرات مسيرة، في الوقت الذي يواجه فيه وقف اطلاق النار الهش في الحرب مع ايران اختبارا جديدا، وبين المتحدث باسم وزارة الدفاع الكويتية، العميد سعود عبد العزيز العتيبي، ان طائرات مسيرة معادية دخلت المجال الجوي للكويت في وقت مبكر من يوم الاحد، وان القوات الكويتية ردت "وفقا للاجراءات المعمول بها".
الممر القلق
وقبالة خليج عمان، جنوب شرقي ايران، افادت محافظة بلوشستان، بان دوي الانفجار الذي سمع في ميناء تشابهار نجم عن تفجير ذخائر غير منفجرة من "الحرب المفروضة الثالثة"، مؤكدة انه لا يوجد ما يدعو للقلق.
واضافت المحافظة انه نظرا لاستمرار عملية ابطال مفعول الذخائر غير المنفجرة في المنطقة، فان اصوات الانفجارات قد تستمر خلال الاسابيع المقبلة.
واشارت وكالة "فارس" التابعة لـ"الحرس الثوري"، يوم الجمعة، الى وقوع اشتباكات متفرقة بين القوات الايرانية والسفن الاميركية في المضيق، وقال الجيش الاميركي انه استهدف سفينتين مرتبطتين بايران كانتا تحاولان دخول ميناء ايراني، مما اجبرهما على التراجع.
وافادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم الاحد، بان سفينة شحن سائبة ابلغت عن تعرضها لمقذوف شمال شرقي الدوحة، واوضحت الهيئة ان حريقا صغيرا اندلع وتم اخماده، دون وقوع اصابات او اضرار بيئية، وان السلطات تحقق في مصدر المقذوف.
وجددت بحرية "الحرس الثوري"، يوم الاحد، تحذيرها من ان اي هجوم على ناقلات النفط الايرانية او السفن التجارية سيقابل بـ"هجوم ثقيل" على احدى "القواعد الاميركية في المنطقة وعلى سفن العدو".
وقال قائد الوحدة الصاروخية في "الحرس الثوري"، مجيد موسوي، ان صواريخ ومسيرات الوحدة "اقفلت" على اهداف اميركية في المنطقة.
وكتب موسوي، في منشور على حسابه في منصة "اكس" المحظورة في ايران: "صواريخ ومسيرات الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري اقفلت على الاهداف الاميركية في المنطقة وعلى سفن العدو المعتدي، ونحن في انتظار امر الاطلاق".
وقال مشرعون ايرانيون انهم بصدد صياغة مشروع قانون لاضفاء الطابع الرسمي على ادارة ايران للمضيق، مع بنود تشمل حظر مرور سفن "الدول المعادية".
واكد المتحدث باسم لجنة الامن القومي في البرلمان الايراني، النائب المتشدد ابراهيم رضائي، يوم الاحد، ان "مرحلة ضبط النفس انتهت اعتبارا من اليوم"، محذرا من ان اي تعرض للسفن الايرانية سيقابل بـ"رد ايراني ثقيل وحاسم" على السفن والقواعد الاميركية.
وكتب رضائي على منصة "اكس" ان "الوقت يمر ضد الاميركيين"، مضيفا ان من مصلحة واشنطن "الا ترتكب حماقة والا تغرق اكثر في المستنقع الذي وقعت فيه"، وتابع: "افضل طريق هو الاستسلام وتقديم التنازلات، وعليكم ان تعتادوا النظام الاقليمي الجديد".
وكتب علي اكبر ولايتي، مستشار المرشد الايراني، في مقال بصحيفة "ايران" الحكومية، ان الولايات المتحدة "ستضطر قريبا الى الخروج ليس فقط من ايران، بل من المنطقة باكملها".
واضاف ولايتي ان "الامبراطورية الاميركية في طور السقوط بعد هزيمة الولايات المتحدة امام الجمهورية الاسلامية وجبهة المقاومة، وبعد ان بات مضيق هرمز في قبضتنا"، على حد تعبيره.
"جاهزية كاملة"
وافادت وكالة "فارس" التابعة لـ"الحرس الثوري" ان قائد عمليات هيئة الاركان المشتركة، علي عبداللهي، قدم تقريرا للمرشد مجتبى خامنئي عن جاهزية القوات المسلحة، واصدر الاخير "توجيهات جديدة لمواصلة العمليات العسكرية ومواجهة الخصوم بحزم"، دون تحديد موعد اللقاء، ونقلت عن عبداللهي قوله ان القوات الايرانية "على اهبة الاستعداد لمواجهة اي عمل" من جانب الولايات المتحدة واسرائيل، مضيفا ان اي "خطأ" يرتكبه الخصوم سيقابل برد ايراني "سريع وحاسم".
وفي وقت متاخر من يوم السبت، قال المتحدث باسم الجيش الايراني، محمد اكرمي نيا، للتلفزيون الرسمي، ان السفن التابعة للدول التي تتبع الولايات المتحدة في فرض العقوبات على ايران "ستواجه من الان فصاعدا مشكلات حتما في عبور مضيق هرمز".
ونقلت وكالة "ارنا" الرسمية عن اكرمي نيا قوله ان "الاميركيين لن يكونوا قادرين ابدا على تحويل هذه المساحة الواسعة في شمال المحيط الهندي عبر تغطية اسطولهم الى حصار حقيقي".
واضاف ان "الهدف من ادعاء فرض الحصار دون شك هو محاولة لتحييد ادارة الجمهورية الاسلامية الايرانية لمضيق هرمز عبر اجراءات دعائية".
وتابع: "تجارتنا البحرية لا تزال جارية بسهولة، ولم يحتجز سوى عدد محدود من السفن، وفي المقابل تمكنا نحن ايضا من منع عبور ونشاط سفن النظام الصهيوني واحتجازها".
واكد اكرمي نيا ان القوات الايرانية في "جاهزية كاملة" لحماية المواقع النووية التي يخزن فيها اليورانيوم، وقال لوكالة "ارنا" في وقت متاخر من يوم السبت: "اعتبرنا انه من الممكن ان يكونوا ينوون سرقته عبر عمليات تسلل او عمليات انزال بالمروحيات"، دون تقديم مزيد من التفاصيل.
ويعد مصير مخزون ايران من اليورانيوم عالي التخصيب احدى نقاط الخلاف الرئيسية في المفاوضات، وتوضح الوكالة النووية التابعة للامم المتحدة ان ايران تمتلك اكثر من 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب حتى درجة نقاء 60 في المائة، وهي خطوة تقنية قصيرة تفصل عن مستويات الاستخدام العسكري.
وبين المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي، لوكالة "اسوشيتد برس" الشهر الماضي ان غالبية اليورانيوم الايراني عالي التخصيب لا تزال على الارجح في مجمع اصفهان النووي.
وتعرضت منشأة اصفهان لقصف بغارات جوية اميركية - اسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يوما العام الماضي، كما واجهت هجمات اقل كثافة في حرب هذا العام.
وبين المتحدث باسم الخارجية الايرانية، اسماعيل بقائي، ان تفويض الوكالة يقتصر على التحقق، "وليس توجيه رسائل سياسية" بشان مضيق هرمز او الصواريخ الايرانية او طريقة تصرف طهران.
واضاف بقائي، في منشور على منصة "اكس"، ان "المؤسسات تفقد صدقيتها ومع الوقت فاعليتها ايضا عندما تمس المهنية والحياد لمصلحة الاشارات السياسية او الطموحات الشخصية".
ضغط دبلوماسي
وكرر الرئيس الاميركي، دونالد ترمب، تهديداته باستئناف القصف على نطاق واسع اذا لم تقبل ايران اتفاقا لاعادة فتح المضيق وتقليص برنامجها النووي، وقد اغلقت ايران الى حد كبير هذا الممر الحيوي للطاقة العالمية منذ ان اطلقت الضربات المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة واسرائيل في 28 فبراير الحرب، مما تسبب في ارتفاع عالمي في اسعار الوقود واضطراب الاسواق العالمية.
وقال وزير الخارجية الاميركي، ماركو روبيو، يوم الجمعة، ان واشنطن تتوقع ردا خلال ساعات، لكن لم تظهر اي مؤشرات على تحرك من طهران بشان المقترح، الذي من شانه انهاء الحرب رسميا قبل بدء محادثات بشان القضايا الاكثر اثارة للجدل، بما في ذلك البرنامج النووي الايراني.
والتقى روبيو رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن ال ثاني، في ميامي، يوم السبت، وبحثا الحاجة الى مواصلة العمل معا "لردع التهديدات وتعزيز الاستقرار والامن في انحاء الشرق الاوسط"، وفق بيان لوزارة الخارجية الاميركية لم يذكر ايران.
واشار ترمب لقناة "ال سي اي" الفرنسية، يوم السبت، انه لا يزال يتوقع معرفة رد ايران "قريبا جدا".
حصار واختبار
ومع اقتراب زيارة الرئيس الاميركي، دونالد ترمب، الى الصين هذا الاسبوع، تتزايد الضغوط لوضع حد للحرب، التي اشعلت ازمة طاقة عالمية وتشكل تهديدا متزايدا للاقتصاد العالمي.
وكانت ناقلة قطرية محملة بالغاز الطبيعي المسال تبحر، يوم السبت، باتجاه المضيق في طريقها الى باكستان، وفق بيانات الشحن الصادرة عن "ال اس اي جي"، في خطوة قالت مصادر انها حظيت بموافقة ايران لبناء الثقة مع قطر وباكستان، وكلتاهما وسيطتان في الحرب.
واذا اكتملت الرحلة، فستكون اول عبور لسفينة قطرية محملة بالغاز الطبيعي المسال عبر المضيق منذ ان بدات الولايات المتحدة واسرائيل الحرب في 28 فبراير.
واكدت القيادة المركزية الاميركية "سنتكوم" ان الحصار البحري الاميركي على ايران لا يزال مطبقا بالكامل، موضحة ان قواتها اعادت توجيه 58 سفينة تجارية وعطلت 4 سفن منذ 13 ابريل، لمنعها من دخول الموانئ الايرانية او مغادرتها.
وفرضت واشنطن حصارا على السفن الايرانية الشهر الماضي، لكن تقييما لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية "سي اي ايه" اشار الى ان ايران لن تتعرض لضغوط اقتصادية شديدة جراء الحصار الاميركي لمدة اربعة اشهر اخرى تقريبا، وفق مسؤول اميركي مطلع على الامر، مما يثير تساؤلات حول نفوذ ترمب على طهران في صراع لا يحظى بشعبية لدى الناخبين وحلفاء الولايات المتحدة.
ووصف مسؤول استخباراتي رفيع "الادعاءات" المتعلقة بتحليل "سي اي ايه"، الذي نشرته "واشنطن بوست" اولا، بانها غير صحيحة.
واكد ترمب، يوم الخميس، ان وقف اطلاق النار لا يزال ساريا رغم الاشتباكات المتفرقة، في حين اتهمت ايران الولايات المتحدة بخرقه.
وقال وزير الخارجية الايراني، عباس عراقجي، يوم الجمعة: "في كل مرة يطرح فيها حل دبلوماسي تختار الولايات المتحدة خوض مغامرة عسكرية متهورة".
ولم تحظ الولايات المتحدة الا بدعم دولي محدود في هذا الصراع، وبعد اجتماعه مع رئيسة الوزراء الايطالية، جورجيا ميلوني، يوم الجمعة، تساءل روبيو عن سبب عدم دعم ايطاليا وحلفاء اخرين جهود واشنطن لاعادة فتح المضيق، محذرا من سابقة خطيرة اذا سمح لطهران بالسيطرة على ممر مائي دولي.
واكدت بريطانيا، التي تعمل مع فرنسا على اقتراح لضمان المرور الامن عبر المضيق بمجرد استقرار الوضع، يوم السبت، انها تنشر سفينة حربية في الشرق الاوسط استعدادا لمثل هذه المهمة متعددة الجنسيات.
واوضح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم السبت، انه يامل في ان ينتهي الصراع بين الولايات المتحدة وايران في اسرع وقت ممكن، مضيفا انه اذا لم يحدث ذلك فسيكون الجميع خاسرين.





