تتعامل السلطات الجزائرية بحذر مع التقارب الظاهر من باريس بهدف تطبيع العلاقات بين البلدين، والذي تجسد في إرسال الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، للمشاركة في مراسم إحياء ذكرى «مجازر 8 مايو» في شرق الجزائر، حيث قتل الجيش الفرنسي آلاف الجزائريين خلال مظاهرات تطالب بالاستقلال.
وفي ظل التغطية الإعلامية الرسمية المحدودة للزيارة، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الوزيرة الفرنسية حاملا رسالة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية.
وأرجعت مصادر مطلعة هذا التجاهل الإعلامي إلى عدم صدور إدانة صريحة أو اعتذار رسمي من الوزيرة عن الجرائم الاستعمارية، مؤكدة أن هذا الموضوع يظل خطا أحمر في ملف الذاكرة بين البلدين وقضية تحدد شكل العلاقات الثنائية.
وغاب أي ذكر لمشاركة أليس روفو ووزير المجاهدين الجزائري عبد المالك تشريفت في الاحتفالات بمرور 81 عاما على «مذابح سطيف وقالمة وخراطة» في وسائل الإعلام الرسمية، بينما خصصت الصحف الخاصة حيزا بسيطا لوجود الوزيرة الفرنسية.
لا مستقبل قبل الاعتذار
وذكرت وكالة الأنباء الجزائرية أن روفو صرحت بأنه يجب التحلي بالشجاعة للنظر إلى التاريخ كما حدث في حقيقته مع احترام ذاكرة الجزائر، كما أشارت إلى أنها وضعت إكليلا من الزهور أمام النصب التذكاري المخلد للمجازر.
ونشر حساب وزارة المجاهدين صورة للوزير تشريفت مع الوزيرة الفرنسية روفو، مشيرا إلى حضور موفدة الرئاسة الفرنسية إلى سطيف.
وفي تقدير مصادر مقربة من الحكومة، فإن عدم وجود مؤشرات توحي باعتراف فرنسي رسمي بأن «مجازر الثامن من مايو» ترقى لكونها «جريمة ضد الإنسانية» يفسر عدم تحمس السلطات لاستقبال الوزيرة الفرنسية.
وبهذا الخصوص، كتبت صحيفة «الوطن» أن الجزائر فرضت سلم أولويات واضحا: لا حديث عن المستقبل قبل مواجهة الماضي، مؤكدة أن التناقض الصارخ بين احتفال فرنسا بتحررها من النير النازي ومجازر سطيف وقالمة وخراطة هو ما طالبت الجزائر باريس بالاعتراف به.
ذوبان الجليد لا يعني المصالحة
وعادت الصحيفة إلى خطوات تمت في المدة الأخيرة لإزالة التوترات، مشيرة إلى أن الجزائر انتظرت تذليل العقبات قبل أن تفتح الأبواب، بدءا من عفو الرئيس تبون عن بوعلام صنصال وصولا إلى زيارة وزير الداخلية الفرنسي واستئناف ترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير قانونية في فرنسا، مؤكدة أن هذا التسلسل يظهر جزائر تتفاوض من موقع قوة.
واضافت أن قضية الصحراء الغربية لا تزال قائمة بكل تعقيداتها، وفي حين يحرز ملف مصالحة الذاكرتين تقدما، فإنه لا يزال يصطدم بغياب اعتذارات رسمية فرنسية تطالب بها فئات من المجتمع المدني والطبقة السياسية في الجزائر، مبينة أن مساعي إذابة الجليد هي حقيقة واقعة، لكن في الجزائر، يدرك الجميع أن ذوبان الجليد لا يعني بالضرورة المصالحة.
خطوات رمزية
من جهتها، كتبت صحيفة «الشروق» أن باريس تكتفي باعترافات جزئية ببعض الوقائع التاريخية، مشيرة إلى أن تعاطي فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون مع مجازر 8 مايو لم يتجاوز الخطوات الرمزية.
وعلق الباحث الجزائري في تاريخ الاستعمار الفرنسي حسني قيتوني على بيان «الإليزيه»، قائلا إنه لا يتضمن أي كلمة تصف ما وقع، مؤكدا أنه لا يوجد اعتراف رسمي بـ «الجرائم ضد الإنسانية».
وفي قراءته للبيان ذاته، لفت قيتوني إلى خلوه من أي تعبير عن الندم أو اعتذار صريح، عادا أنه مجرد سرد للذاكرة التاريخية يفتقر لطلب المغفرة، كما انتقد غياب أي إشارة لمسؤوليات فرنسية محددة عن الجرائم التي اقترفها الجيش الاستعماري والمستوطنون وأجهزة القمع.





