بحر قزوين معبر روسي لنقل مكونات مسيرات الى ايران

بحر قزوين معبر روسي لنقل مكونات مسيرات الى ايران

وسط تصاعد التوترات الاقليمية والعقوبات الغربية المتشابكة تتكشف ملامح شبكة معقدة من طرق الامداد والتحالفات بين روسيا وايران والصين في مواجهة ضغط اميركي متزايد يستهدف بالدرجة الاولى البرنامج العسكري الايراني وقدرته على الاستمرار في التصنيع والانتشار.

وتشير معطيات استخباراتية ومسارات تجارية وملاحية الى ان بحر قزوين الذي طالما بقي هامشيا في حسابات الصراع الدولي بات اليوم احد اهم الممرات اللوجستية غير التقليدية في دعم القدرات العسكرية الايرانية خصوصا في مجال الطائرات المسيرة وبالتوازي مع حملة عقوبات جديدة تستهدف شبكات امداد مرتبطة بشركات في الصين وهونغ كونغ وفق تقريرين منفصلين نشرتهما صحيفة نيويورك تايمز.

قزوين... الممر البديل

ووفق تقديرات مسؤولين اميركيين بدات روسيا في نقل مكونات اساسية للطائرات المسيرة الى ايران عبر هذا الممر في خطوة تسهم في اعادة بناء جزء من الترسانة الايرانية بعد خسائر كبيرة قدرت بنحو 60 في المائة من مخزونها من الطائرات المسيرة خلال جولات القتال الاخيرة.

وهذه الشحنات لا تاتي في اطار عسكري صرف بل تتداخل مع حركة تجارية واسعة تشمل القمح والذرة وزيوت الطعام والاعلاف وتنقل عبر موانئ ايرانية مطلة على بحر قزوين تعمل على مدار الساعة لتامين احتياجات الاقتصاد الايراني المتاثر بالعقوبات.

ويرى خبراء ان هذا التحول في مسارات الامداد يعكس تكيفا استراتيجيا بين موسكو وطهران اذ باتت روسيا تعيد توجيه صادرات كانت تمر عبر البحر الاسود ومضايق اكثر هشاشة امنيا نحو الشمال الايراني الاكثر عزلة عن الرقابة الغربية.

وفي هذا السياق تقول الباحثة نيكول غرايفسكي المتخصصة في الشانين الروسي والايراني ان بحر قزوين يمثل البيئة المثالية تقريبا للالتفاف على العقوبات ونقل المعدات الحساسة نظرا لطبيعته المغلقة وصعوبة تتبعه.

وتشير بيانات ملاحية الى ان جزءا من حركة السفن بين الموانئ الروسية والايرانية يتم دون تشغيل اجهزة التتبع ما يزيد من تعقيد عملية الرصد الدولي للشحنات ويحول بحر قزوين الى ثقب اسود جيوسياسي.

ولا تقتصر اهمية هذا المسار البحري على التجارة التقليدية بل تمتد الى البنية العسكرية الايرانية نفسها فالمكونات الروسية التي تصل عبر بحر قزوين بحسب مسؤولين اميركيين تستخدم لتعزيز قدرة ايران على انتاج الطائرات المسيرة بوتيرة اسرع ما يمنحها هامشا اكبر في الصراعات الاقليمية وفي مواجهة التفوق العسكري الاميركي والاسرائيلي.

وبينما لا يعتقد ان هذه المكونات تغير ميزان القوى بشكل جذري الا انها توفر لايران قدرة مستمرة على اعادة الامداد وهو ما يعد عاملا حاسما في الحروب طويلة الامد.

وفي المقابل ترى موسكو وطهران في هذا التعاون جزءا من اقتصاد مقاوم للعقوبات يتيح لكلا البلدين تقليل الاعتماد على المسارات التجارية الخاضعة للرقابة الغربية مثل مضيق هرمز او البحر الاسود.

خناق على الشبكات الاسيوية

وبالتوازي اعلنت الولايات المتحدة عن حزمة جديدة من العقوبات تستهدف افرادا وشركات في الصين وهونغ كونغ الى جانب كيانات في بيلاروسيا بتهمة المساعدة في تزويد ايران بمعدات تدخل في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة.

وتاتي هذه الخطوة في اطار سياسة اميركية اوسع تهدف الى تفكيك سلسلة الامداد الصناعية التي تدعم البرنامج العسكري الايراني عبر استهداف حلقاته الوسيطة وليس فقط المنتج النهائي.

وتشير واشنطن الى ان شركات صينية خاصة بعضها مرتبط بمصافي نفط لعبت دورا في تسهيل تدفق الموارد الى الاقتصاد الايراني رغم العقوبات القائمة منذ سنوات.

وتكتسب هذه الاجراءات بعدا سياسيا اضافيا اذ تتزامن مع تحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيس الاميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين وسط توتر متصاعد حول دور الصين في دعم الاقتصاد الايراني عبر مشترياتها من النفط.

وتظهر الصورة الكاملة اليوم ان الصراع بين الولايات المتحدة وايران لم يعد يقتصر على البرنامج النووي او المواجهات العسكرية المباشرة بل تحول الى حرب شبكات امداد عالمية تمتد من بحر قزوين الى بحر الصين الجنوبي مرورا بالموانئ الخليجية والمصافي المستقلة في اسيا.

وفي هذا الاطار تبدو ايران وروسيا والصين وكانها تبني تدريجيا منظومة بديلة للتجارة والتسليح وتعمل خارج النظام المالي والتجاري الغربي لكنها تظل عرضة لضغوط العقوبات ومحاولات الاحتواء المستمرة.

ومع تصاعد هذه الشبكات المتشابكة يبدو ان بحر قزوين رغم هدوئه الجغرافي قد تحول الى اكثر المساحات حساسية في صراع عالمي يتجاوز حدود المنطقة الى اعادة تشكيل موازين القوى الدولية نفسها.