حين يخرج المسؤول من مكتبه… يبدأ الحديث الذي تأخر كثيرًا

حين يخرج المسؤول من مكتبه… يبدأ الحديث الذي تأخر كثيرًا

باسم عارف الشورة

المنطقة تشتعل على امتداد الجغرافيا، خرائط النفوذ تُعاد كتابتها بالنار، والشارع العربي يعيش قلقًا مفتوحًا على كل الاحتمالات، بينما تتساقط الأقنعة السياسية واحدًا تلو الآخر. وفي خضم هذا المشهد المزدحم بالأسئلة، يرتفع سؤال الناس بغضبٍ مشروع: لماذا يصمت بعض المسؤولين طوال سنوات وجودهم في مواقع القرار، ثم تتحول ألسنتهم إلى منصاتٍ للكشف والتحليل والانتقاد بعد مغادرة المناصب؟
ما الذي يتغير؟
هل تصبح الحقيقة أكثر وضوحًا بعد التقاعد؟
أم أن الكرسي كان يضع على الأفواه أقفالًا من الحسابات والخوف والمجاملات؟
المؤلم ليس اختلاف الآراء، بل تأخرها. فالوطن لا يحتاج إلى شجاعةٍ بأثر رجعي، ولا إلى تصريحاتٍ تأتي بعد انتهاء الصلاحيات، بل يحتاج إلى رجال دولة يملكون جرأة الموقف عندما يكون للكلمة ثمن، وللصمت خطر، وللحقيقة ضرورة وطنية.
لكن، وفي مقابل هذا الضجيج المتأخر، تبرز صورة الدولة الأردنية وهي تدير المرحلة بعقلانيةٍ تُحسب لها، وبهدوء الدولة التي تدرك خطورة الإقليم، وحجم النار المشتعلة حولها. فالأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الوطنية، لم يسمح للفوضى أن تتسلل إلى الداخل، ولم ينجرّ خلف الانفعالات والمزايدات، بل حافظ على ثباته السياسي والأمني وسط إقليمٍ يكاد يشتعل من كل الجهات.
في هذه اللحظة الحساسة، لا يحتاج الوطن إلى بطولات إعلامية متأخرة، بل إلى الالتفاف حول الدولة، ودعم مؤسساتها، وتعزيز منطق الحكمة الذي أثبت الأردن من خلاله أنه دولة تعرف كيف تعبر العواصف دون أن تفقد توازنها.
لقد أثبتت القيادة الأردنية أن حماية الوطن لا تكون بالصوت المرتفع، بل بقراءة المشهد بعمق، وإدارة الملفات بعقل الدولة لا بردود الفعل. كما أثبت الجيش العربي والأجهزة الأمنية أنهم العين الساهرة التي تحرس الاستقرار، وتحمي الحدود، وتمنع ارتدادات الفوضى الإقليمية من الوصول إلى الداخل الأردني.
كثير من التصريحات التي نسمعها اليوم كان يفترض أن تُقال عندما كانت القرارات تُصنع، لا بعد مغادرة المكاتب والمناصب. فالمسؤول الحقيقي لا يختبئ خلف التوقيت الآمن، ولا يؤجل قول الحقيقة حتى يصبح خارج دائرة المسؤولية.
الأوطان لا تُحمى بالصمت الطويل، لكنها أيضًا لا تُدار بالفوضى والانفعال. وهنا تكمن قوة الأردن؛ دولةٌ تعرف كيف توازن بين حرية الرأي وهيبة الدولة، بين صراحة الموقف وحماية الاستقرار، وبين الانفتاح السياسي ومصلحة الوطن العليا.
التاريخ لا يتذكر الذين تحدثوا بعد انتهاء المعركة، بل الذين امتلكوا شجاعة الموقف وهم في قلب المسؤولية. كما أنه لا ينسى الدول التي نجحت في حماية أوطانها وسط العواصف، والأردن اليوم يكتب هذه المعادلة بثباتٍ يُحترم، وبحكمةٍ تؤكد مرةً أخرى أن "الأردن أولًا” ليس مجرد شعار… بل عقيدة دولة.