تتصاعد في العراق بوادر خلاف مبكر بشأن الحكومة الجديدة التي يسعى رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي لتمريرها في البرلمان. وتأتي هذه الخلافات وسط ضغوط متزايدة تتعلق بتوزيع الحقائب السيادية واستحداث ما يعرف بـ«مناصب الترضية». بالتزامن مع أول طعن قضائي يواجه تكليف الزيدي منذ اختياره من قبل قوى «الإطار التنسيقي» في أواخر نيسان الماضي.
وكان الرئيس العراقي نزار اميدي قد كلف الزيدي، مرشح «الإطار التنسيقي»، بتشكيل الحكومة الجديدة في 27 نيسان. وجاء هذا التكليف بعد توافق داخل التحالف الشيعي. عقب تضاؤل فرص كل من رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وزعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي.
وقال رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي ان مجلس النواب سيتسلم البرنامج الحكومي للزيدي. وتتحدث تقديرات عن إمكانية عقد جلسة منح الثقة منتصف الأسبوع المقبل. رغم استمرار الخلافات بشأن عدد من الوزارات والمناصب العليا.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الزيدي أو فريقه بشأن اكتمال تشكيلته الوزارية أو طبيعة أولويات برنامجه الحكومي. غير أن نوابا وقوى سياسية بدأوا الكشف عن ملامح التفاوض الدائر خلف الكواليس. خصوصا ما يتعلق بتوزيع الحقائب السيادية وآلية اختيار الوزراء.
وقال نواب من كتل مختلفة ان الزيدي قد يقدم إلى البرلمان تشكيلة جزئية تضم نحو 14 وزيرا. على أن تحسم بقية الوزارات لاحقا بسبب استمرار الخلافات بين القوى السياسية على مرشحيها.
ويرى مراقبون ان هذا السيناريو يعكس بداية صدام مبكر بين رئيس الوزراء المكلف والأحزاب الرئيسية التي تسعى إلى فرض مرشحين محددين للوزارات ضمن نظام المحاصصة الذي حكم تشكيل الحكومات العراقية منذ عام 2003.
مناصب الترضية تثير الجدل
وتتركز واحدة من أبرز نقاط الخلاف حول مقترحات باستحداث 4 مناصب جديدة لنواب رئيس الوزراء. وتكون هذه المناصب خارج إطار الوزارات السيادية التقليدية التي تمنح شاغليها صفة نائب رئيس الوزراء. مثل «الخارجية» و«النفط» و«التخطيط». ويقول منتقدون ان هذه المناصب تمثل «ترضيات سياسية» من شأنها زيادة الترهل الإداري وتشتيت مراكز القرار داخل السلطة التنفيذية.
كما برزت مقترحات أخرى تتعلق باستحداث منصب «وزير دولة للشؤون الخارجية». ويرى خصوم هذه الخطوة انها محاولة للحد من نفوذ وزارة الخارجية التي ظل الأكراد يتولونها منذ عام 2014. عبر شخصيات من بينها هوشيار زيباري وفؤاد حسين.
ويأتي الجدل بشأن «الخارجية» في ظل مفاوضات معقدة بين القوى الشيعية والأحزاب الكردية حول توزيع الحقائب السيادية. وياتي هذا خصوصا بعد زيارة رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني إلى بغداد. ووصفت أطراف سياسية هذه الزيارة بانها أسهمت في تهدئة التوتر بشأن الوزارة.
وحسب مصادر مطلعة، فإن بعض قوى «الإطار التنسيقي» تفضل إبقاء إدارة ملف العلاقات الخارجية تحت إشراف مباشر من رئيس الوزراء. ويكون هذا عبر استحداث منصب يرتبط بمكتبه. بما يمنح القوى الشيعية نفوذا أوسع في إدارة السياسة الخارجية.
وفي موازاة ذلك، يتمسك «الإطار التنسيقي» بوزارة المالية. ويرفض مقترحات منحها للأكراد مقابل التخلي عن وزارة الخارجية. وقالت مصادر ان الزيدي يسعى أيضا إلى الإبقاء على السيطرة المباشرة على الملف المالي والنقدي. ويكون هذا عبر دعم استمرار وزيرة المالية الحالية طيف سامي، ومحافظ البنك المركزي علي العلاق في منصبيهما.
وكان الرئيس الاميركي دونالد ترمب قد أجرى اتصالا هاتفيا مع الزيدي. وهنأه خلاله بتكليفه ودعاه إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة. واكد ترمب رغبة الولايات المتحدة في «علاقة جديدة وقوية» مع العراق.
كما رحبت واشنطن رسميا بتكليف الزيدي. وتحدثت تقارير وتصريحات أميركية عن انتظار «إجراءات ملموسة» من الحكومة الجديدة للحد من نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران داخل مؤسسات الدولة العراقية.
وأثارت هذه التطورات ردود فعل حذرة داخل بعض الفصائل المسلحة. خصوصا بعد تصريحات لأكرم الكعبي، زعيم حركة «النجباء». ورفض الكعبي تسليم سلاح الفصائل إلى الدولة. في مؤشر على استمرار التوتر بشأن مستقبل العلاقة بين الحكومة الجديدة والفصائل المقربة من طهران.
اعتراضات سياسية وقانونية
في الداخل، بدأت أصوات سياسية تعلن صراحة رفضها لما تصفه بعودة «المحاصصة» و«مناصب الترضية».
وقالت كتلة «إشراقة كانون» البرلمانية انها ترفض استحداث مناصب جديدة لنيابات رئاستي الوزراء والجمهورية. وترفض ايضا وزارات دولة بلا حقائب فعلية. واعتبرت الكتلة أن هذه الترتيبات تعيد إنتاج نظام المحاصصة السياسية الذي يتسبب، حسب الكتلة، في تعطيل مؤسسات الدولة وتصاعد مستويات الفساد.
وقال النائب حيدر المطيري، خلال مؤتمر صحافي في البرلمان، ان القوى السياسية «تتعامل مع مناصب الدولة كأنها غنائم سياسية». واضاف المطيري أن التفاهمات الجارية بشأن الحكومة الجديدة تمثل «ارتدادا» عن الوعود بالإصلاح الإداري والسياسي.
وفي مؤشر آخر على تعقيد مفاوضات تشكيل الحكومة، لوح نواب محافظة البصرة بمقاطعة جلسة التصويت على الكابينة الوزارية إذا لم تحصل المحافظة على ما وصفوه بـ«استحقاقها» في الحكومة المقبلة.
وقال النائب علاء الحيدري، خلال مؤتمر صحافي مع نواب من البصرة، ان المحافظة تطالب بإسناد وزارات النفط والنقل والموارد المائية إلى شخصيات تمثلها. واشار الحيدري إلى أن البصرة تؤمن نحو 93 في المائة من إيرادات الموازنة العامة للعراق. واضاف الحيدري أن نواب المحافظة قد يمتنعون عن التصويت للحكومة إذا لم تؤخذ مطالبهم في الاعتبار.
وفي تطور مواز، سجلت المحكمة الاتحادية العليا أول دعوى قضائية تطعن في صحة تكليف الزيدي. وقدم الدعوى النائب السابق رائد المالكي بصفته «مواطنا وسياسيا مستقلا». واعتبر المالكي أن التكليف شابه «خلل دستوري وقانوني».
وقال المالكي ان الدعوى تستند إلى 4 أسباب. وبين هذه الأسباب «عدم توفر بعض شروط الترشيح»، و«وجود تضارب مصالح». إضافة إلى اعتراضه على آلية ترشيح الزيدي من قبل تحالف سياسي بدلا من كتلة نيابية محددة.
واضاف المالكي أن «موقع رئيس الوزراء يتطلب شخصية تمتلك خبرة سياسية وإدارية». وقال المالكي إن «الدستور اشترط الخبرة السياسية وليس العلاقات».
ويواجه الزيدي، الذي جاء إلى الواجهة السياسية من خارج الأسماء التقليدية المتداولة لرئاسة الحكومة، اختبارا معقدا يتمثل في قدرته على تشكيل حكومة متوازنة ترضي القوى المتنافسة دون أن تبدو خاضعة بالكامل لمنطق المحاصصة الذي يواجه انتقادات متزايدة داخل العراق.





