منتدى الاستراتيجيات: تعديلات حبس المدين تزيد التوقف عن السداد وتضر بالائتمان التجاري

منتدى الاستراتيجيات: تعديلات حبس المدين تزيد التوقف عن السداد وتضر بالائتمان التجاري

أصدر منتدى الاستراتيجيات الاردني ورقة موقف حول التاثير الاقتصادي والمالي لتعديلات قانون التنفيذ المتعلقة بحبس المدين، وذلك بالاستناد الى استطلاع راي واسع شمل مختلف القطاعات الاقتصادية بالتعاون مع غرف الصناعة والتجارة، إضافة الى اهم المخرجات من المؤتمر الاول للقانون والاقتصاد الذي نظمته نقابة المحامين الاردنيين.

وهدفت الورقة إلى تقييم انعكاسات هذه التعديلات على تحصيل الحقوق المالية والثقة التعاقدية والائتمان التجاري والسيولة في الاسواق، إضافة إلى استعراض الخيارات الاصلاحية التشريعية والاجرائية الممكنة والحلول المقترحة، بما يسهم في اعادة التوازن بين مختلف اطراف العلاقة التعاقدية.

وبين المنتدى ان كفاءة انفاذ الالتزامات التعاقدية تمثل احدى الركائز الاساسية لبيئة الاعمال، لارتباطها المباشر بثقة المتعاملين وتكلفة راس المال العامل واتساع نطاق الائتمان التجاري بين المنشات، لا سيما المنشات الصغيرة والمتوسطة، فكلما كانت ادوات التحصيل والانفاذ اكثر كفاءة وفعالية انخفضت المخاطر المتوقعة على الموردين والممولين وازدادت القدرة على البيع الاجل وتراجعت كلف التمويل، بما ينعكس ايجابا على النشاط الاقتصادي واستدامته وفرص العمل.

كما اشار المنتدى إلى ان التعديلات التي دخلت حيز التنفيذ انطلقت من اعتبارات انسانية واجتماعية تهدف إلى صون الكرامة الانسانية والحد من الاثار السلبية لتقييد الحرية، الا ان ذلك لا يمنع من تقييم ما قد يترتب عليها من اثار اقتصادية غير مقصودة على الاسواق والمعاملات التعاقدية.

واوضحت الورقة ان تحصيل الحقوق المالية في الاصل هو تحد قائم في السوق المحلي حتى قبل هذه التعديلات، وهو ما تعكسه عدة مؤشرات منها تصاعد قيمة الشيكات المعادة لاسباب مالية في الاردن بشكل ملحوظ خلال الفترة وكذلك ارتفاع متوسط قيمة الشيك المعاد من نحو الف دينار الى قرابة سبعة الاف واربعمئة دينار للشيك الواحد خلال الفترة ذاتها، وهذا قد يشير الى تنامي الصعوبات المرتبطة بالوفاء بالالتزامات المالية لدى الافراد والشركات.

واظهرت الورقة ارتفاع الاقتراض من المصادر غير الرسمية لدى الاردنيين من سبعة عشر فاصل اربعة بالمئة عام الفين وخمسة عشر الى ثمانية وثلاثين فاصل ثلاثة بالمئة عام الفين واربعة وعشرين من اجمالي حجم الاقتراض، مقابل تراجع الاقتراض من المصادر الرسمية من اربعة عشر فاصل خمسة بالمئة الى اثني عشر فاصل سبعة بالمئة خلال الفترة نفسها، بحسب بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي، وهو ما قد يعكس تحديات في الحصول على الائتمان من القطاع المنظم مقابل اتساع الاعتماد على القطاع غير المنظم وما يحمله من كلف ومخاطر اعلى.

وبينت نتائج استطلاع الراي الذي بلغ عدد المشاركين فيه الف وسبعمئة واثنان وخمسون مستجيبا من مختلف القطاعات الاقتصادية ان هناك تصورات واسعة بوجود اثار سلبية ملموسة للتعديلات الاخيرة على بيئة التعاملات المالية والتجارية.

وابدى اكثر من سبعة وستين بالمئة من المستجيبين تايدهم لاعادة حبس المدين، فيما راى ثمانية عشر فاصل ستة بالمئة ضرورة الابقاء على التعديلات شريطة وضع تدابير فعالة، مقابل ثلاثة عشر فاصل واحد بالمئة فقط ايدوا الابقاء عليها دون اتخاذ اي تدابير اضافية.

واشار ستة وستون بالمئة من المستجيبين الى انهم واجهوا صعوبات بدرجات متفاوتة عند تحصيل ديونهم.

كما افاد نحو اثنين وثمانين بالمئة بانهم لجاوا الى حبس المدين بشكل دائم او احيانا كاداة لتحصيل حقوقهم قبل التعديلات، مما يعكس ان القضية ترتبط من وجهة نظر شريحة واسعة بفعالية ادوات التنفيذ لا بمجرد وجود نص قانوني فقط.

واضاف المنتدى ان نتائج الاستطلاع قد اظهرت كذلك ارتفاع مستوى المعرفة بالتعديلات القانونية بين المستجيبين، اذ افاد نحو اثنين وسبعين فاصل ستة بالمئة بانهم مطلعون عليها بشكل جيد، مقابل اربعة وعشرين فاصل واحد بالمئة مطلعين بشكل جزئي، مما يعطي وزنا اكبر للنتائج باعتبارها صادرة عن فئات على دراية فعلية بالاطار القانوني المعدل.

وفيما يتعلق بالاثر العملي للتعديلات افاد ثمانية من كل عشرة مستجيبين تقريبا الى ان هناك تراجعا في التزام المدينين بالسداد بعد بدء سريان التعديلات، بينما اشار ثلاثة وثمانون فاصل اربعة بالمئة الى ان تحصيل الحقوق اصبح اكثر صعوبة، فيما راى اربعة وسبعون فاصل سبعة بالمئة ان منع حبس المدين قد اسهم في زيادة حالات التوقف عن السداد.

وافاد تسعة وستون فاصل سبعة بالمئة من المستجيبين بانهم واجهوا حالات متكررة استند فيها المدينون الى استثناء الحبس كذريعة للتوقف عن السداد، وهو ما يشير الى ان الاستثناءات القانونية جرى توظيفها عمليا كذريعة للتوقف عن الوفاء بالتزاماتهم المالية.

كما لفتت الورقة النظر الى وجود تحول حاد في سلوك البيع الاجل بعد التعديلات، اذ تراجع الاعتماد على البيع الاجل بدرجات مرتفعة ومتوسطة من ثمانين بالمئة قبل التعديلات الى سبعة وعشرين بالمئة بعدها، في حين ارتفعت نسبة من لا يعتمدون على البيع الاجل من احد عشر فاصل اثنين بالمئة الى اربعين فاصل ستة بالمئة.

واظهرت النتائج ان غالبية المستجيبين اتجهوا الى تشديد سياسات الائتمان سواء عبر تقليص التسهيلات او طلب ضمانات عينية، فيما تراجعت الثقة باستخدام الاوراق التجارية كاداة وفاء، حيث افاد اربعة وثمانون فاصل اربعة بالمئة بانخفاض الثقة فيها بعد التعديلات، كما اشار ثمانون فاصل ستة بالمئة الى تراجع مستوى الثقة بين المتعاملين، وراى نحو ثلثي المستجيبين ان التعديلات قد اسهمت في زيادة حالات الركود او التاخير في اتمام المعاملات التجارية.

وبين المنتدى ان هذه النتائج تعكس من وجهة نظر المستجيبين اختلالا في التوازن بين حماية المدين وصون حقوق الدائن مع ميل واضح لصالح المدين، بما في ذلك المدين المماطل والمتعمد على حساب استقرار المعاملات والثقة في السوق وتوافر السيولة وتحفيز النشاط الاقتصادي.

اما بخصوص البدائل الفعالة التي يمكن تبنيها لتعزيز التنفيذ من وجهة نظر المستجيبين فقد جاء ادراج المدين ضمن منصة ائتمانية البديل الاكثر فاعلية لضمان حقوق الدائنين من وجهة نظر المستجيبين وبنسبة ثمانية وسبعين فاصل اثنين بالمئة، تلاه الحجز على الاموال او الحسابات البنكية وبنسبة ستة وسبعين فاصل اثنين بالمئة، ومن ثم تقييد الخدمات الحكومية الاساسية بنسبة خمسة وسبعين فاصل اثنين بالمئة، فيما كانت التسوية او الاعسار اقل فاعلية.

كما اشارت الورقة الى ان الشركات الصغيرة والمتوسطة تبدو من اكثر الفئات عرضة للتاثر بهذه التداعيات نظرا لاعتمادها بشكل كبير على التدفقات النقدية وعلى ادوات الائتمان التجاري ولضعف قدرتها عادة على تحمل كلف التحصيل طويلة الاجل او متطلبات الضمانات المتشددة.

وفي اطار المقارنات العالمية استعرض المنتدى عددا من التجارب الدولية في سياق التعامل مع حبس المدين منها دول متقدمة كألمانيا وفرنسا وكندا والولايات المتحدة ودول عربية كالسعودية والامارات وقطر وغيرها، وقد بينت معظم التجارب الى ان الدول اتجهت نحو الى الغاء او تقييد حبس المدين مع تبني حزمة من الادوات المدنية والتنفيذية والرقمية البديلة مثل الحجز على الاجور والحسابات والاصول والتقييد الائتماني ومنع السفر في بعض الحالات وانظمة الاعسار والتسوية والربط الالكتروني مع الجهات ذات العلاقة.

واوضح المنتدى ان الاستفادة من هذه التجارب لا تعني التطبيق الحرفي لها، وانما اختيار ما يتلاءم مع الواقع التشريعي والاقتصادي الاردني وبما يعيد التوازن الى العلاقة التعاقدية ويحافظ في الوقت نفسه على الاعتبارات الانسانية والاجتماعية.

واستنادا الى ذلك اكد المنتدى ان الاشكالية لا تكمن بالضرورة في تقييد حبس المدين بحد ذاته، بل في غياب البدائل الفعالة والمكافئة القادرة على ضمان الالتزام بالسداد وصون حقوق الدائنين والحفاظ على استقرار المنظومة الائتمانية.

وفي هذا السياق اوصى منتدى الاستراتيجيات الاردني باعادة النظر في الاطار التشريعي الناظم لحبس المدين ضمن قانون التنفيذ بما يحقق توازنا فعليا بين حماية المدين وضمان حقوق الدائن، الى جانب تطوير الاطار القانوني المتعلق بالاعسار والتسوية وجدولة الديون وتوفير مسارات واضحة للتعامل مع حالات التعثر الحقيقي لا سيما لدى الافراد والمنشات الصغيرة والمتوسطة.

كما اوصى المنتدى باعادة النظر في بعض الادوات المرتبطة بالاوراق التجارية وتعزيز التشريعات المساندة مثل قانون التخصيم المالي بما يسهم في حماية التعاملات التجارية وتوسيع نطاق البيع الاجل المنضبط.

كذلك شدد المنتدى على اهمية استحداث ادوات مدنية وتنفيذية فعالة ومستدامة من ابرزها انشاء منصة ائتمانية الكترونية شاملة وميسرة وتوسيع قاعدة البيانات الائتمانية وتخفيف بعض القيود الاجرائية المرتبطة بالحجز التحفظي والسماح بتطوير قواعد بيانات متخصصة تدعم القرار الائتماني، اضافة الى الاسراع في الربط الالكتروني المباشر بين المحاكم ودوائر التنفيذ والجهات الحكومية والمالية ذات العلاقة بما يضمن سرعة تنفيذ قرارات الحجز والانفاذ.

كما اوصى المنتدى بدراسة ادوات اضافية تعزز الثقة في التعاملات التجارية مثل تطوير اوراق تجارية الكترونية جديدة سند السحب وتبني التامين على الديون في بعض القطاعات، فضلا عن التوسع في التوعية باهمية السجل الائتماني والادوات القانونية المتاحة لتحصيل الحقوق.

واكد المنتدى في ختام ورقته على ان الوصول الى اطار تشريعي وتنفيذي متوازن يتطلب التمييز بين المدين المتعثر بحسن نية والمدين المماطل وربط شدة الاجراءات التنفيذية بسلوك المدين وقدرته الفعلية على السداد بما يكفل حماية الكرامة الانسانية من جهة والحفاظ على الثقة التعاقدية من جهة اخرى وكذلك على استقرار المعاملات وتدفق الائتمان التجاري واستمرارية النشاط الاقتصادي.