هل يسرّع التحول الرقمي عجلة التحديث الاقتصادي .. أم يعطّلها؟

هل يسرّع التحول الرقمي عجلة التحديث الاقتصادي .. أم يعطّلها؟

ي خضمّ اندفاع الحكومات نحو الرقمنة، يبرز سؤال جوهري لا يحتمل التأجيل: هل نحن أمام ثورة تسهّل حياة المواطن وتدفع عجلة الاقتصاد، أم أمام مسار غير متوازن قد يفاقم التحديات بدل حلّها؟

لقد أصبح "التحول الرقمي” شعار المرحلة، حيث تسعى الحكومة إلى رقمنة المعاملات وتقديم الخدمات عبر الإنترنت، بهدف تقليل البيروقراطية، وتسهيل الإجراءات، وتحقيق كفاءة أعلى في تحصيل الإيرادات. لا شك أن هذه الخطوة تحمل في ظاهرها وجهاً حضارياً متقدماً، يختصر الوقت والجهد، ويقلل من ازدحام الدوائر الحكومية، ويمنح المواطن تجربة أكثر سلاسة في التعامل مع مؤسسات الدولة.

أما الوجه الآخر، فيبدو أقل بريقاً… وربما أكثر "مرارة” من فنجان قهوة على عجل. فبينما تُختزل الوظائف وتُغلق الأبواب التقليدية للعمل تحت شعار الكفاءة الرقمية، يُدفع المواطن دفعاً نحو ابتكار بدائل قد لا تتجاوز في كثير من الأحيان "كشك قهوة” على جانب الطريق. مشهد يومي بات مألوفاً: شباب يصنعون فرصهم بأيديهم، يبيعون القهوة لزملائهم العالقين في ذات الدوامة. لكن المفارقة الساخرة أن هذه القهوة نفسها، إن تجرأ أحدهم على احتسائها أثناء القيادة، قد تتحول من رمز للكفاح إلى مخالفة مرورية! وكأن الرسالة غير المعلنة: ابحث عن رزقك… لكن بحذر شديد، فحتى القهوة قد تُحسب عليك. في النهاية، اقتصاد يكثر فيه استهلاك القهوة أكثر من إنتاج الفرص، هو اقتصاد يحتاج إلى إعادة نظر، لا إلى المزيد من التطبيقات.

المفارقة أن هذه الأنشطة، رغم مشروعيتها، قد تتحول إلى عبء غير مباشر على الإنتاجية الوطنية، خاصة عندما تتزامن مع سياسات تنظيمية متشددة، كالمخالفات المرتبطة بأنماط الاستهلاك اليومية، ما يضع المواطن بين مطرقة الحاجة وسندان القيود.

من زاوية أخرى، تبدو السياسات التشغيلية في بعض الأحيان وكأنها تعالج المشكلة من طرف واحد. فالتوجه نحو توظيف الأردنيين في وظائف محددة، دون بناء منظومة إنتاجية متكاملة، قد يأتي بنتائج عكسية. فالمواطن، خصوصاً في المناطق الريفية، كان قادراً على العمل في الزراعة أو الأنشطة الإنتاجية، لكنه عند انتقاله إلى وظيفة ذات دخل محدود، يجد نفسه مضطراً لتحمل أعباء معيشية إضافية، كاقتناء سيارة ودفع تكاليف الوقود المرتفعة، لتبدأ دوامة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

أما في المناطق الصناعية، ورغم أهميتها، فإن طبيعة بعض الصناعات—مثل صناعة الألبسة الموجهة للتصدير—تقدم أجوراً متدنية لا تتناسب مع كلفة المعيشة، ولا تشكل بديلاً حقيقياً للعمل المنتج الأكثر ربحية واستدامة.

في المحصلة، نحن أمام معادلة مقلقة: عدد السكان في ازدياد، الوظائف التقليدية في تراجع، والمشاريع الحكومية تميل إلى الطابع الخدمي أكثر من الإنتاجي. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: كيف يمكن تحقيق "رؤية التحديث الاقتصادي” دون قاعدة إنتاجية صلبة تواكب هذا التحول؟

التحول الرقمي ليس خطأ بحد ذاته، بل ضرورة لا مفر منها في عالم يتجه نحو الاقتصاد الرقمي. لكن الخطأ يكمن في تطبيقه بمعزل عن استراتيجية شاملة توازن بين التكنولوجيا والإنتاج، بين الكفاءة والعدالة، وبين التحديث وخلق الفرص.

إن التحذير اليوم ليس من الرقمنة، بل من الرقمنة غير المتوازنة. فإما أن تكون أداة لتسريع التنمية وبناء اقتصاد قوي، أو تتحول—إن أسيء توظيفها—إلى عامل ضغط جديد يثقل كاهل المواطن ويعيد طرح الأسئلة ذاتها: أين العمل؟ وأين المستقبل؟