فشل استحواذ ميتا على مانوس: قضية امن قومي تشعل حرب التكنولوجيا

فشل استحواذ ميتا على مانوس: قضية امن قومي تشعل حرب التكنولوجيا

مع انهيار صفقة استحواذ شركة ميتا الامريكية على شركة "مانوس" الصينية الناشئة، دخل العالم رسميا بحسب المحللين مرحلة "القومية التقنية"، حيث لم تعد الشركات الناشئة مجرد كيانات تجارية تسعى للربح، بل تحولت الى اصول سيادية تخضع لرقابة اجهزة الامن القومي تماما كما تخضع المفاعلات النووية وصناعات الطيران العسكري.

لماذا "مانوس" مهمة؟

لم تكن "مانوس" مجرد شركة ناشئة في زحمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل كانت تمثل الاختراق الذي كانت تنتظره الشركات الكبرى للعبور من مرحلة "الذكاء الاصطناعي التوليدي" الى مرحلة "الذكاء الاصطناعي الوكيل"، حسب ما تشير التقارير التقنية.

وتكمن اهمية "مانوس" في تطويرها لخوارزميات قادرة على العمل كـ "وكلاء" مستقلين، وبينما يكتفي نموذج مثل "تشات جي بي تي" بكتابة نص او برمجة كود، فان وكلاء "مانوس" مصممون لامتلاك "ارادة تنفيذية".

وهذا الامر يعني ان الوكيل يمكنه الولوج الى متصفح الانترنت، وفتح برامج المحاسبة، والتواصل مع الموردين، واتخاذ قرارات شرائية او لوجستية بناء على هدف نهائي يحدده المستخدم، وهذا التحول من "القول" الى "الفعل" هو ما جعل القيمة السوقية والسياسية للشركة تتجاوز حدود المنطق التجاري التقليدي.

لماذا اصبح "الوكيل" مجالا حساسا ومطلوبا؟

ويعود السبب وراء جعل مجال وكلاء الذكاء الاصطناعي مجالا فائق الحساسية الى مفهوم "التبعية التشغيلية"، حيث يتوقع الخبراء في المستقبل القريب ان تعتمد البنية التحتية للدول، من شبكات الكهرباء الى الانظمة المصرفية، على هؤلاء الوكلاء لادارة التعقيدات اليومية، كما ان قدرة الوكلاء على الاتمتة الشاملة تعني ان الوكيل الذكي لا يحتاج الى انسان يملي عليه الخطوات، فهو يعرف الهدف ويخترع الطريق، وامتلاك الدول لهذه التقنية يعني تفوقا هائلا في كفاءة الانتاج وادارة الازمات.

كما ان موضوع الخصوصية والبيانات السيادية يضع بصمته في السياق ذاته ايضا، فحتى يعمل "الوكيل" بكفاءة، يجب ان يمنح صلاحيات الوصول الى بيانات حساسة مثل رسائل البريد الالكتروني واسرار المستخدم التجارية وتحركاته المالية، واذا كانت الشركة المطورة للوكيل تتبع دولة منافسة فان ذلك يعني فتح "باب خلفي" استراتيجي للتجسس او التخريب الرقمي.

ويشكل الاستخدام المزدوج اضافة قوية يمتع بها الوكلاء، فالخوارزمية التي تحجز للمستخدم تذكرة طيران هي ذاتها التي يمكنها، بقليل من التعديل، تنسيق هجمة سيبرانية منسقة لتعطيل خوادم الخصم.

عندما يتفوق "الامن القومي" على "السوق الحر"

لهذا لم يكن فشل صفقة "مانوس" نتاج مفاوضات مالية متعثرة بقدر ما كان نتيجة ضغوط تنظيمية وسياسية، حيث بدات الدول، وتحديدا الولايات المتحدة عبر لجنة الاستثمار الاجنبي "سي اف اي يو اس"، في تبني رؤية مفادها ان انتقال ملكية "الموهبة والبيانات" لا يقل خطورة عن انتقال الاسلحة.

وبحسب التقارير التقنية فان تدخل الدول لمنع هذه الصفقات يعود لثلاثة اسباب رئيسية وهي:

  • احتكار المواهب: الذكاء الاصطناعي يعتمد على عدد محدود من العقول الفذة، والاستحواذ على شركة ناشئة هو في الحقيقة استحواذ على العقل الذي صمم الخوارزمية.
  • منع التفوق الخوارزمي للمنافس: في سباق الخوارزميات، الوصول الى العميل المستقل اولا يمنح الدولة سببا للريادة لعقود قادمة.
  • السيادة الرقمية: الخوف من ان تصبح الادوات التي تدير اقتصاد الدولة تحت رحمة "مفتاح ايقاف" بيد قوة اجنبية.

سباق العمالقة

واحدث فشل صفقة "مانوس" صدمة في استراتيجيات شركات مثل مايكروسوفت والفابت وغوغل وميتا، حيث كانت هذه الشركات ولسنوات تعتمد على الاستحواذ كوسيلة للابتكار، اما الان ومع تشديد الرقابة الحكومية اضطرت هذه الشركات لتغيير مسارها، حيث بدات الشركات الكبرى في سحب استثماراتها من الاستحواذات الخارجية وتوجيهها لتطوير فرق داخلية لبناء وكلاء خاصين بها خوفا من ان تمنع اي صفقة مستقبلية في اللحظات الاخيرة.

كما انتقلت المنافسة بين تلك الشركات من "حجم النموذج" الى "دقة التنفيذ"، فلم يعد السباق حول من يملك اضخم قاعدة بيانات، بل من يملك الوكيل الاكثر امانا وقدرة على الاندماج في حياة المستخدم دون اخطاء.

اضافة الى ذلك بدات الشركات الكبرى في اللجوء لنماذج "الشراكة الاستراتيجية" بدلا من الاستحواذ الكامل لتجنب الرادار الرقابي كما في الاتفاقية الجديدة بين مايكروسوفت واوبن ايه اي.

المواجهة الكبرى.. واشنطن مقابل بكين

ويمثل فشل الصفقة المليارية فصلا جديدا في كتاب الصراع التكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة، فهذا الصراع تجاوز مرحلة "حرب الرقائق" ليصل الى "حرب التطبيقات السيادية"، حيث تدرك واشنطن ان حرمان الصين من رقائق "انفيديا" ليس كافيا اذا تمكنت الصين من تطوير "خوارزميات وكلاء" تتفوق في كفاءتها البرمجية على النماذج الامريكية لذا اصبح الحظر يشمل الموهبة والبرمجيات.

كما ان المنافسة على المواهب اصبحت حربا جديدة بين الدول، حيث تشير عدة تقارير تقنية الى ان الصين تستثمر مليارات الدولارات لجذب العقول التي عملت في شركات مثل "مانوس" للعودة الى بكين او العمل في مراكز بحثية في شنغهاي في محاولة لكسر الحصار التكنولوجي الامريكي.

في السياق ذاته اصبحت الخوارزميات تمثل حدودا جغرافية بسبب هذه النزاعات المستمرة، فالعالم يعيش اليوم مرحلة يتم فيها التعامل مع الخوارزمية كمنتج وطني وفشل استحواذ "مانوس" يرسل رسالة واضحة حسب ما يقول المراقبون مفادها: "ما يصمم هنا يبقى هنا".

عصر "الانترنت المجزا"

يقول الخبراء التقنيون ان تكرار سيناريو "مانوس" سيؤدي حتما الى ما يسمى بالانترنت المجزا تقنيا بحيث يصبح هناك ما يسمى بـ "وكلاء امريكيين" يعملون في بيئة تنظيمية معينة و"وكلاء صينيين" يعملون وفق معايير وقيم وخوارزميات مختلفة تماما.

وهذا الانقسام لن يقتصر على الهواتف والاجهزة بل سيمتد ليشمل طريقة تفكير الالات التي تدير حياة المستخدمين فالوكيل الذي تدربه شركة ناشئة في بيئة ديمقراطية قد يمتلك قيودا اخلاقية تختلف تماما عن وكيل تم تدريبه في بيئة سلطوية مما يجعل "الخوارزمية" هي المترجم الفعلي للايديولوجيا السياسية في القرن الحادي والعشرين.