بينما يتجه العالم نحو الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الإنتاجية وتطوير الابتكارات، ظهر نموذج جديد يغير قواعد اللعبة، حيث واجهت المؤسسات المالية الكبرى تحديات غير مسبوقة، وأدركت أن مخاوفها أصبحت حقيقة واقعة.
في مطلع شهر ابريل، كشفت شركة انثروبيك عن أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، وهو نموذج "ميثوس" الذي يختلف عن سلسلة "كلود" التقليدية، وبينت الشركة ان الهدف من اطلاق ميثوس هو ان يكون عميلا سيبرانيا فائق القدرة، اذ يتميز بقدرته على اكتشاف الثغرات الأمنية، مما يساعد الشركات على تعزيز دفاعاتها.
وشكل "ميثوس" مصدر قلق للبنوك العالمية، وأثار حالة من الاستنفار داخل البنك الفيدرالي الامريكي والمفوضية الاوروبية، بعدما أظهر قدرة فائقة على تحديد الثغرات الأمنية التي ظلت مخفية في برمجيات البنوك على مدى ثلاثة عقود.
والامر هنا يتجاوز كونه مجرد أداة مساعدة، بل هو كيان رقمي قادر على التفكير الاستراتيجي لاختراق التحصينات الرقمية المعقدة في غضون ثوان معدودة.
ما هو نموذج "ميثوس"؟
يصنف "ميثوس" تقنيا بأنه نموذج لغوي كبير من الجيل الخامس، وطورته شركة "انثروبيك" الامريكية بالتعاون مع جهات بحثية أمنية.
ووفقا لتقرير نشرته مجلة وايرد الامريكية في ابريل، فان "ميثوس" هو النسخة الاكثر تطورا من عائلة نماذج "كلود"، لكنه درب بشكل مكثف على تحليل الشفرات البرمجية المعقدة.
وعلى عكس النماذج السابقة التي كانت تقدم نصائح عامة، يمتلك "ميثوس" ما يسمى بـ "الاستدلال السيبراني المستقل"، وهذا يعني انه لا يحتاج الى توجيه بشري دقيق، بل يكفي تزويده بعنوان موقع الكتروني او نسخة من كود برمجي، ليبدا هو ذاتيا في البحث عن الثغرات الخفية.
كيف يعمل "ميثوس"؟
يعمل "ميثوس" عبر ثلاث طبقات معالجة، مما يجعله متفوقا على اي نظام دفاعي تقليدي:
1- المسح العميق والتعرف على الانماط (Deep Scanning)
وفقا لورقة بحثية من جامعة ستانفورد الامريكية، يستخدم "ميثوس" الية تسمى "الانتباه المتعدد الابعاد"، حيث يمكنه قراءة ملايين الاسطر من الاكواد البرمجية في اجزاء من الثانية، وذلك ليس للبحث عن اخطاء معروفة فقط، بل للتنبؤ بكيفية تفاعل اجزاء الكود بطرق غير مقصودة من قبل المبرمجين الاصليين.
2- توليد الاستغلال التلقائي (Auto-Exploit Generation)
بين انه بمجرد العثور على ثغرة مثل ثغرة زيرو دي، يقوم "ميثوس" بكتابة "الكود الهجومي" فورا، ففي تجربة موثقة اجرتها وكالة مشاريع الابحاث المتطورة الدفاعية (داربا)، تمكن النموذج من اختراق نظام تشغيل "لينكس" محدث بالكامل في اقل من 4 دقائق، وهي عملية كانت تستغرق من امهر فرق المخترقين اسابيع من البحث.
3- تجاوز الدفاعات السلوكية
تعتمد البنوك عادة على انظمة تكتشف الانماط الغريبة للهجمات، لكن "ميثوس" ذكي بما يكفي لتمويه هجماته لتبدو كحركة مرور عادية، مما يجعله غير مرئي لانظمة الرادار السيبراني التقليدية.
ما طبيعة الخطورة التي يشكلها "ميثوس"؟
تكمن الخطورة التي يمثلها "ميثوس" في قطاع المال في ثلاثة اسباب جوهرية نقلتها صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية:
- خطر "الانظمة الموروثة" (Legacy Systems)
تعتمد البنوك الكبرى على انظمة برمجية قديمة جدا كتبت بلغات مثل كوبول، وهذه الانظمة معقدة لدرجة ان المبرمجين الحاليين يخشون المساس بها، لكن النموذج الجديد "ميثوس"، استطاع فهم هذه الاكواد القديمة والعثور على ثغرات امنية كانت نائمة منذ الثمانينيات والتسعينيات.
- سرعة الهجوم المتزامن
يستطيع "ميثوس" ادارة الاف الهجمات في وقت واحد، وكانه جيش من المخترقين يتكون من عشرة الاف شخص يعملون بتناغم تام وبسرعة الضوء، وهذا النوع من الهجوم يمكن ان يؤدي الى انهيار النظام المصرفي العالمي في ساعات اذا تم توجيهه نحو نقاط المقاصة المالية.
- تلاشي "عامل الوقت"
في السابق، كانت البنوك تملك ساعات او ايام للاستجابة بعد اكتشاف محاولة اختراق، لكن مع "ميثوس" اصبح الاختراق والسرقة وتشفير البيانات يحدث في وقت واحد، مما يلغي اي فرصة للاستجابة البشرية.
التحذيرات الدولية.. لماذا الان؟
صدرت تحذيرات شديدة اللهجة من الانتربول والمنتدى الاقتصادي العالمي بشان "ميثوس"، والسبب ليس فقط قدرة النموذج، بل سهولة استخدامه، حيث انه اذا تم تسريب هذا النموذج او بيعه وحصل عليه اي مخترق هاو، فسيتحول فجاة الى ارهابي سيبراني يمتلك قدرات دولة عظمى.
كما حذرت وكالة الامن القومي الامريكية (NSA) من ان "ميثوس" يمثل تغييرا وجوديا في مفهوم الحرب الباردة الرقمية، حيث لم تعد القوة بعدد الصواريخ، بل بعدد البارامترات في نموذج الذكاء الاصطناعي.
لماذا تم طرحه وما هو الهدف؟
قد يتساءل البعض، اذا كان ميثوس خطيرا لهذه الدرجة، لماذا صنعته شركة "انثروبيك"؟ واكد المدير التقني للشركة ان الهدف من طرحه هو ان تكون انثروبيك "اول من يكتشف الثغرات قبل ان يكتشفها الاعداء"، وبالتالي فان الهدف المعلن هو "الدفاع الاستباقي".
لكن البنوك حاليا تستخدم "ميثوس" ضمن بيئة مراقبة ومقيدة، بحيث يكون هو "المدقق الامني"، فهو يقوم حاليا بمهاجمة البنك واكتشاف الثغرات، ثم يقوم المبرمجون باغلاقها، وهذا ما يسمى بعملية تلقيح رقمية، حيث يستخدم الفيروس لصناعة اللقاح.
عصر "السيادة الرقمية" الجديد
لا يعتبر الخبراء ظهور "ميثوس" مجرد حدث تقني عابر، بل هو اعلان عن نهاية عصر "الامن بالغموض"، فلم يعد كافيا ان تخفي كودك البرمجي لتكون امنا، ففي عصر الذكاء الاصطناعي، كل شيء شفاف وقابل للقراءة.
وبالتالي، فان المراقبين يؤكدون ان الرعب الذي تعيشه البنوك نابع من كون "ميثوس" كشف عن ضعف الانظمة الرقمية التي تتبعها انظمتها، لكنه في الوقت ذاته منحها الفرصة الاخيرة للتحصن.
لكن الخوف اليوم لن يكون من النماذج الجديدة، بل من فوات الاوان في ادراك ان قواعد الحماية التي اعتادت عليها البنوك قد اندثرت، واصبح يحل مكانها انظمة جديدة من ابتكار الذكاء الاصطناعي وبتعقيدات برمجية، يؤدي عدم المعرفة بها الى صعوبة السيطرة عليها مستقبلا.
-
تعيين رئيس تنفيذي جديد لـ"أبل"2026-04-21 -
-
-
-
