في تحول استراتيجي يهدف إلى تعزيز الأمن الرقمي، وسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) نطاق شراكته مع منظمة كريست الدولية المتخصصة في الأمن السيبراني والحماية من الاختراق، وذلك لتأمين سلاسل الإمداد وخطوطه الخلفية الرقمية، في خطوة يصفها الخبراء بالاندماج الاستراتيجي بين العسكر والتقنية.
وكشف تقرير صادر عن مركز التميز للدفاع السيبراني التعاوني التابع للناتو أن الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية اللوجستية للحلف شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال العامين الماضيين، وبين التقرير أن هذه الهجمات لم تعد تستهدف الرادارات فحسب، بل انتقلت لتضرب الخطوط الخلفية، والتي تشمل الأنظمة المسؤولة عن نقل الوقود وتوزيع الذخيرة وتشفير اتصالات الأقمار الصناعية.
وقال كبير المستشارين في منظمة كريست إيان غلوفر إن المعركة اليوم لم تعد تبدأ عند إطلاق النار، بل عندما يحاول الخصم اختراق خادم لوجستي لتعطيل وصول الإمدادات إلى الجبهة، واضاف: نحن هنا لضمان أن تكون تلك الخوادم حصينة كالحصون الجبلية.
محاور التعاون.. كريست كذراع فنية للناتو
وتعتمد استراتيجية الناتو الجديدة، بناء على بيانات من وكالة الناتو للاتصالات والمعلومات، على ثلاثة محاور تقنية رئيسية تنفذها الشركات المعتمدة من كريست.
اختبارات الاختراق الاخلاقية (Penetration Testing): يقوم خبراء كريست بمحاكاة هجمات سيبرانية شاملة تحاكي أساليب مجموعات التهديدات المتقدمة المستمرة المدعومة من دول معادية، وذلك لاكتشاف الثغرات في أنظمة القيادة والسيطرة.
تأمين سلاسل التوريد (Supply Chain Integrity): اشار تقرير لصحيفة ديفينس نيوز التقنية إلى أن الناتو بات يفرض معايير كريست على جميع الموردين المدنيين الذين يتعاملون مع الحلف، لضمان عدم وجود أبواب خلفية في البرمجيات الموردة.
الاستجابة الفورية للحوادث (Incident Response): وضع بروتوكولات تعتمد على معايير ايزو/اي اي سي 27001 (ISO/IEC 27001) المحدثة، لضمان استمرارية العمل حتى في حال وقوع اختراق جزئي.
التحول من الدفاع السلبي إلى الصمود النشط
يرى المحللون في معهد ستوكهولم الدولي لابحاث السلام (SIPRI) أن استعانة الناتو بكريست تمثل انتقالا من الدفاع السلبي (انتظار الهجوم) إلى الصمود النشط، وبين المحللون أن هذه العملية تتضمن استخدام تقنيات التوائم الرقمية، حيث تنشا نسخة افتراضية من شبكة الناتو اللوجستية لاختبار مدى تحملها للهجمات قبل تطبيق اجراءات الحماية على الشبكة الحقيقية.
التحديات والمخاطر.. هل الخصخصة التقنية امنة؟
على الرغم من الاشادات، تبرز اصوات محذرة، ففي مقال تحليلي لمجلة فورين بوليسي الامريكية، طرحت تساؤلات حول مدى امان الاعتماد على خبراء من خارج السلك العسكري، واول هذه التساؤلات: هل يمكن لمنظمة مدنية مثل كريست ان تطلع على اسرار عسكرية حساسة؟ كما أن كريست تضم خبراء من جنسيات مختلفة، مما قد يثير مخاوف بشان التجسس المضاد.
لكن الناتو رد عبر المتحدث الرسمي لقطاع الامن السيبراني بان نظام الاعتماد لدى كريست يتوافق مع اعلى معايير التصنيف الامني للحلف، واكد أن ذلك يضمن ولاء وكفاءة الافراد المشاركين.
ويرى الخبراء أن الانتقال من الخنادق الى الخوادم ليس مجرد تغيير في الادوات، بل هو تغيير في عقيدة الحرب، وبحسب تقرير مؤسسة راند الامريكية للعام الحالي، فإن التحالفات العسكرية التي لن تنجح في دمج الخبرات التقنية المدنية مثل كريست في هيكلها الدفاعي، ستجد نفسها عاجزة امام حروب الجيل السادس التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والحرب المعلوماتية.





