أيـــــام فــــــــات عـليهـــا زمــــن وروعة الماضي

أيـــــام فــــــــات عـليهـــا زمــــن وروعة الماضي

نبيل عماري- كاتب وباحث

سألني أحدهم لماذا تكتب عن الزمن الجميل زمن الستينيات وسبعينيات القرن الماضي ولماذا تسمونه الزمن الجميل وهل زمانكم هو الأفضل والأحسن أم أن الحنين يأخذكم للماضي ... ام أن كل جيل يأخذه الحنين لجيله فيتصور زمانه هو الجميل، فقلت له نعم نحن جيل الزمن الجميل وكثيرون اتفقوا على ذلك واستحق التسمية؛ إذ كان زماننا الستيني والسبعيني زمن الروح المجتمعية والأكثر تواضعاً وثقافة، زمن الفرح والابتسامة وطلب العلم، زمن الكلمة والمبدأ نعم نحن جيل.

المجلة والكتاب والفلسفة والعلم والشعر والأدب والأغنية الجميلة والسينما الراقية.

نحن جيل المشي إلى المدرسة ذهابا وإيابا طوال أيام السنة الدراسية صيفاً وشتاء .

جيل من قراء بفهم الكتاب من الجلده إلى الجلدة دون مساعدة أب او أم أو دوروس خصوصية .

جبل من جلد كتبه ودفاتره بنفسه ووضع الطوابع ليكتب اسمه واسم المدرسة.

جيل بوط الرياضية الصيني أبو خط أبيض وبنطلون الكاوبوي.

جيل من مسح يديه بدم الحرثون حتى لا يشعر بألم من عصاة الأستاذ.

جيل من درس الجبر والحساب والهندسة والفلسفة والمجتمع العربي والقضية الفلسطينية .

جيل المكتبة وقراءتها من الجاحظ وتوفيق الحكيم وتشيخوف وتجيب محفوظ وتولستوي وهمنغواي ويوسف ادريس .

جيل مجلة العربي والهلال والمختار والمصور والصياد وجريدة الأسبوع الأردنية .

جيل من كان عقابه كتابة موضوع إنشاء 20 مرة أو قصيدة 10 مرات.

جيل الإذاعة المدرسية ومجلة الحائط، وخافقاً بالمعالي والمنى ويا علمي ياعلم، وأني لأقسم بالله قسماً تخر له الجباه وأيها الساري إلى مجد العلى.

جيل حصة الرياضة وتمارينها شهيق زفير.

جيل الفن بكافة أنواعة وحصص الأناشيد الوطنية.

جيل لم يكن بحاجة لمرشد نفسي أو ينهار نفسياً من عصا الأستاذ.

جيل من صنعت له أمه مريوله وشنطته وجرزايته وأعطته «كاسة» الحليب الصباحية مخلوطة ببيضة نيئة.

جيل كانت عطلته الصيفية من بداية حزيران حتى بداية أيلول من كل عام.

جيل من وقع والده على شهادته المدرسية شوهد.

جيل كانت شنطته عبارة عن مغيطة حمراء.

جيل يصحو على صوت غناء فيروز وينام على صوت أم كلثوم وعندما يعشق بنت الجيران يضع لها كاسيت فور ورود فاتت جنبنا لعبد الحليم.

جيل من تقدم للمترك والتوجيهي وسمع أنه ناجح من الراديو او بملحقات الصحف من دستور ورأي وشعب ودفاع وأخبار.

جيل من صمم ألعابه بنفسه.

جيل من حفظ قصيدة الأصمعي غيباً صفير البلبلي وتبارز بالشعر على القافية.

جيل من حفظ قصائد نزار ودرويش وأمل دنقل وأحمد فؤاد نجم والابنودي وبشارة الخوري ومصطفى وهبي التل عرار.

نحن جيل لم يسمع لنا أولياء أمورنا دروسنا ولم يعلمنا أب أو أم أو أخ.. ولم يكتبوا لنا واجباتنا المدرسية.

نحن جيل شكرنا الله على كل نعمة كان فرحنا حقيقيا حتى لو بلعبة صغيرة او بطبخة لذيذة.

نحن جيل كنا نسمي الخبز نعمة نلتقط بقاياه ونرفعة عالياً ونبوسه.

نحن جيل من أكل الكبة النيئة وشرق البيضة النيئة ولم نكن نخاف من اي مرض ولا حمى مالطية .

نحن جيل من شرب الماء من الحنفية والبير والجرة واستعمل الكيلة.

نحن جيل كنا نسمع لفهد بلان ونغني مع سميرة توفيق ونعشق مع حليم ونرسم الوطن مع سلوى وعبده موسى وتوفيق النمري وكروان.

نحن جيل من نجح وحصل على معدل عال على ضوء لوكس أو شمعة أو سراج.

نحن جيل من لايحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.

نحن جيل من عمل بالباطون وباع الكريزة وسحبة البلالين وحبات الأسكيمو والبريمو.

نحن جيل من شاهد مجلخ السكاكين والكندرجي والكوى وهو يبخ الماء من فمه والمنجد ومطاحن القمح والبرغل.

نحن جيل من عشق الراديو الكبير وصنع شرشفا له وجلس يسمع مضافة أبو محمود ورسائل شوق وكوثر النشاشيبي.

نحن جيل فواكه المواسم ورائحة المواسم ودروب الخير والعطاء.

نحن جيل مرقة العدس والخبيزة والعلت والشماليخ والدريهمة والجلاتون وكل ما تجود به الأرض.

نحن جيل الورد والندى ورومانسية الحياة .

نحن جيل الطلاب اللذين جعلتهم عصاة المعلم رجالاً.

نحن جيل عمل في العطلة الصيفية ليجني من عرق جبينه ثمنا لدفاتر وأقلام وشيء من الفرح.

نحن جيل عرف قيمة رغيف الخبز ( وهو النعمة ) .

نحن جيل وصلنا أقاصي العالم لنطلب العلم.

نحن تعلمنا الحب للوطن والعلم وكنا ننشد بلاد العرب أوطاني.

نحن جيل اقتنى الطوابع القديمة والعملة القديمة وقجة الفخار.

نحن جيل قرأ المعلقات والمتنبي وأبو فراس الحمداني.

نحن جيل ولدتنا أمهاتنا عند داية الحارة أو في موسم الحصيدة.

نحن جيل الفلاحين والعسكر كلنا نأكل من طبق واحد على طبلية ونجتمع على إفطار شهي شعبي.

نحن جيل القمح الأردني والسلقية والبرغل وخبز الشراك والطابون.

نحن جيل المترك والتوجيهي والفرح الحقيقي بلا إطلاقات نار وبهرجة.

نحن جيل البركة والرضا والقناعة رغم القلة.

نحن جيل الجباه السمر والمجد وحب الوطن.

نحن جيل من رقع جراباته المخزوقة عدة مرات ومن صلح كندرته العتيقة عدة مرات.

نحن جيل من صنعت له أمه حفاظاته وغيارته الداخلية.

نحن جيل كنا ننام على سطح البيت على صوت صرصور الليل وغناء أم كلثوم وقمر بضي جميل ونعد نجوم الليل ونعرف قمر الحصادين ونجم سهيل.

نحن جيل نجحنا بقوة ساعدنا لا بغش ولا ترهيبات نفسية ولا في دوروس خصوصية .

نحن جيل عرفنا أن وطننا أحلى الأوطان غرة على جبين الزمان كنا نحافظ عليه كريماً نظيفاً عزيزاً وكنا ننشد له ونطبق النشيد فعلياً.

نحن جيل صنعنا مونتنا من أرضنا من قمح وبندورة وتتطالي وبرغل وحتى الشعيرية كنا نصنعها.

نحن جيل نصحو مع صوت العصافير والندى وننام على حلم جميل.

نحن جيل لم نكن نملك سيارات بل سياراتنا كانت نمرة 11 للذهاب ع المدرسة.

نحن جيل الكرم والحرص ( حيانة ) لا جيل البذخ والتبذير.

نحن جيل الجار للجار وقرضة رغيف الخبز ومحبة الناس.

نحن الجيل الذي سبح في سيل الزرقاء واصطاد السمك منه وأكل توت العليق من جوانب النهر وقطع من قصيبه لعمل طائرات الورق.

نحن جيل الهواء النقي والليل الجميل ومقاثي الجعابير والبطيخ والفقوس.

نحن جيل قم للمعلم وفيه التبجيلا كان للمعلم رهبة ومكانة.

نحن جيل من كان يستمتع عند حملات التعطيم في المدارس ليأخذ إجازة.

نحن جيل من عاش ونام في بيوت الطين وعلى فراشات الصوف المنجده.

نحن جيل من فرح لعرس ابن الجيران وأخذ خاطر الناس المنقوصين.

نحن جيل من عايش الشهيد وصفي التل وحابس المجالي والملك حسين وفراس العجلوني وموفق السلطي ومنصور كريشان.

 نحن جيل من غنى للشتاء يالله الغيث يا ربي تروي زريعنا الغربي، نحن جيل لو نفد الخبز من بيته دق على باب الجيران ليقضي حاجته ويرده في ثاني يوم.

.نحن.جيل من تحمم بالكيلة .. جيل من حمل عجينه الى الفران ليخبزه ..واقراص العيد تحمل على الرؤوس، برائحتها الطيبة.

نحن جيل فرح بالراديو الكبير وبعده راديو الترانزستر والثلاجة وتلفزيون الشارب، والذي له خزانة خشبية تغلق وقت الامتحانات، وترحب بالجيران لحضور مسلسل او مصارعة.