لماذا تتجنب روسيا والصين مساعدة إيران عسكريا في ظل التوترات المتصاعدة؟

لماذا تتجنب روسيا والصين مساعدة إيران عسكريا في ظل التوترات المتصاعدة؟

يثير غياب الدعم العسكري المباشر من روسيا والصين لإيران في ظل التصعيدات الحالية تساؤلات واسعة، رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمعهما، إلا أن حسابات المصالح الاستراتيجية وتجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

واكد جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن ومتخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، في تقرير نشرته مجلة ناشيونال انتريست، أن إيران معزولة وتخوض حربا من أجل بقائها.

واضاف ميتشل، أن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت، فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير، وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيدا من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية والفرقة 82 المحمولة جوا، استعدادا لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون، أن عدم تحرك الصين هو أوضح دليل على ارتباك بكين، وأن عجز روسيا عن مساعدة حليف رئيسي يعد بلا شك أمرا محرجا.

وبينوا، أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطا لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر، إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقا لما ذكرته وكالة الانباء الالمانية.

واوضحوا، أن الصين تنظر إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية، ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوما أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا، وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية، ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

وقال ميتشل، إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية، فإيران ليست شريكا أمنيا عميقا، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسبابا محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران، ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية، ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل، أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

واشار، إلى أن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوما، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة، وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

وبين، أن المخططين العسكريين في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، سينظرون بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط، وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام ثاد من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية، كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة يو إس إس تريبولي ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس ابراهام لينكولن من بحر الصين الجنوبي.

اما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصرا حاسما في سياستها الخارجية والدفاعية، فقد ركز مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023 على الجوار القريب بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة، وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها شراكة شاملة وتعاون استراتيجي مع الصين، وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز فيربا و2500 صاروخ من نوع 9إم336، ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل، إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة، فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولا، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا، كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالميا، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

واضاف، أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا، فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية، وكل صاروخ من أنظمة ثاد أو باتريوت أو توماهوك يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا، كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل، إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطا استراتيجيا، لا إهمالا، فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا، وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.