تتصاعد المخاوف في الأوساط السياسية الليبية من انحسار الاهتمام الدولي بأزمة البلاد، وسط تركيز إقليمي ودولي متزايد على التوترات الإقليمية وتداعياتها، وهو ما يخشى الليبيون أن يعمق الجمود السياسي القائم.
ويرى هاني شنيب، رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية الليبية، أن القرارات الحاسمة بشأن الملف الليبي كانت مؤجلة في الأجندة الأميركية حتى قبل تصاعد التوترات الحالية، متوقعا أن يتجدد تأجيل البت في العديد من الملفات إلى حين اتضاح نتائج الصراع الدائر وتأثيره على خريطة المنطقة.
ووصف شنيب المقاربة الأميركية للملف الليبي بأنها ذات مدى طويل، وتركز على تحقيق الاستقرار الاقتصادي كمدخل للتسوية السياسية، وقلل من أهمية ما يثار حول قيادة مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، لجهود وساطة لتشكيل حكومة موحدة، وقال إن التنسيق الوحيد الذي تسعى واشنطن إلى تحقيقه بين الأطراف يتركز أساسا على حماية مصالحها الاستراتيجية في ليبيا، وبالتالي يتركز الاهتمام على ملفات محددة مثل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية وضمان تدفق النفط.
واوضح شنيب أن واشنطن أدركت منذ فترة صعوبة توحيد مواقف بعض الأطراف الليبية في المدى القريب، نظرا لانعدام الثقة بينهم، بما في ذلك تباين وجهات النظر حول المؤسسة العسكرية التابعة للطرف الآخر، معتبرا أن ذلك دفع واشنطن إلى التركيز على ملفات محددة قابلة للإدارة بدلا من السعي إلى تسوية شاملة في الوقت الراهن.
ولفت إلى أن بعض الليبيين تأثروا بما يتم تداوله في منصات التواصل الاجتماعي حول اجتماعات بولس بممثلي بعض أطراف الأزمة، والتعويل على ثقل واشنطن لإحداث اختراق في المشهد السياسي.
ويرى مراقبون أن بولس عمل منذ زياراته الأولى للبلاد على تعزيز الوجود الأميركي في الملف الليبي على عدة أصعدة، ما بين تأمين مصالح واشنطن في المنطقة، لا سيما تحجيم النفوذ، وضمان تدفق النفط وعودة الشركات الأميركية بقوة للاستثمار بهذا القطاع، وتسلطت الأضواء على رعايته لقاءات جمعت بين نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر ومستشار رئيس حكومة «الوحدة» إبراهيم الدبيبة، وإن كانت تلك التحركات المنفردة أثارت تساؤلات حول جدية دعمه المعلن لخريطة الطريق الأممية.
ويشير الباحث السياسي والقانوني الليبي هشام سالم الحاراتي إلى أن أطراف الأزمة قد يكونون في مقدمة المستفيدين من انشغال العالم بالمواجهة الإقليمية، متوقعا أن يسعى كل منهم إلى ترسيخ نفوذه وتشكيل تحالفات جديدة وتصفير خلافاته في مناطق سيطرته كمحاولة لتجميع أوراق ضغط تعزز موقفه في أي طاولة مفاوضات يتم عقدها بعد انتهاء أو هدوء ساحات المواجهة.
ومن جهته، يعتقد رئيس الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية أسعد زهيو أن انشغال القوى الدولية بالتوترات الإقليمية قد لا يكون بالضرورة عاملا سلبيا على الأزمة الليبية، واستند إلى أن أزمة بلاده وتحديدا الانقسام السياسي مستمرة منذ أكثر من عقد رغم تعدد المبادرات الخارجية سواء عبر مظلة الأمم المتحدة أو من خلال جهود دول بعينها.
وقال زهيو إن إتاحة مساحة أكبر لليبيين لتسوية أوضاعهم قد تسهم في تخفيف حدة الخلافات، غير أنه اشار إلى أن ارتباط الفرقاء الليبيين بحلفاء إقليميين ودوليين قد يعقد هذا المسار.
وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس غرب البلاد مقرا لها، وحكومة في بنغازي برئاسة أسامة حماد المكلفة من البرلمان والمدعومة من الجيش الوطني خليفة حفتر، تدير الشرق وبعض مدن الجنوب.
ويعتقد زهيو أن التوترات الإقليمية لم تلغ الاهتمام بالملف الليبي لكنها دفعته إلى مرتبة متأخرة في سلم الأولويات، مثلما حدث مع الحرب في أوكرانيا، متوقعا أن تتركز أولويات واشنطن على ضمان استمرار تدفق النفط ومنع أي مواجهة عسكرية تعطل إنتاجه، واعتبر أن ما يتردد عن مساعي لتشكيل حكومة موحدة بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها بات طرحا غير واقعي في الوقت الراهن، وأرجع ذلك إلى تطورات داخلية أبرزها تكليف نائبا لرئيس حكومة الوحدة بعد أن كان نائبا.
اما رئيس حزب التجديد الليبي سليمان البيوضي فاعتبر تراجع الاهتمام الدولي بالملف الليبي وغيره من أزمات المنطقة مرحلة مؤقتة، وقال إن الجغرافيا السياسية ستفرض شروطها في النهاية في ظل احتدام التنافس الدولي والإقليمي المتصاعد بالمنطقة، مما سيدفع القوى المؤثرة في نهاية المطاف إلى البحث عن صيغة اتفاق سياسي يضمن مصالحها المختلفة في ليبيا.
-
-
-
-
الحرب والنزوح يخيمان على عيد الفطر في لبنان2026-03-20 -
