ضغوط سياسية وقضائية توقف هجمات الفصائل على سفارة واشنطن في بغداد

ضغوط سياسية وقضائية توقف هجمات الفصائل على سفارة واشنطن في بغداد

شهدت الازمة الامنية المتصاعدة في العراق تحولا حذرا مع تراجع ملحوظ في الهجمات على السفارة الاميركية في بغداد خلال اليومين الماضيين، ويعكس هذا التطور مزيجا من الضغوط السياسية والقضائية الداخلية ورسائل تحذيرية اميركية حسب مصادر عراقية مطلعة.

وياتي هذا التطور في سياق اقليمي بالغ الحساسية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى في 28 فبراير الماضي، والتي انعكست تداعياتها بشكل مباشر على الساحة العراقية بصفتها احدى ساحات النفوذ والتماس غير المباشر.

ضغوط مكثفة لاحتواء التصعيد

وقالت المصادر ان تحركات مكثفة قادتها اطراف سياسية فاعلة خلال اليومين الماضيين هدفت الى احتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد الى مواجهة اوسع قد تهدد الاستقرار الداخلي، خصوصا في ظل اوضاع اقتصادية دقيقة.

واوضحت ان قيادات حكومية وسياسية مارست ضغوطا مباشرة وغير مباشرة على قادة الفصائل المسلحة لوقف الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة، محذرة من تداعياتها على السيادة والامن الوطني.

واشارت المصادر الى ان المؤسسة القضائية دخلت على خط الازمة عبر التلويح بملاحقات قانونية بحق المتورطين، وهو ما شكل عامل ضغط اضافيا باتجاه التهدئة.

وفي المقابل نقلت واشنطن عبر قنوات رسمية رسائل وصفت بانها حازمة، وتضمنت تهديدات بخيارات تصعيدية في حال استمرار استهداف بعثاتها الدبلوماسية ومصالحها في العراق.

تفاهمات لخفض التصعيد

وتشير المعطيات الى وجود تفاهمات اولية غير معلنة بين الاطراف العراقية تهدف الى خفض التصعيد، وتقوم على امتناع الفصائل عن استهداف السفارة الاميركية وقاعدة الدعم اللوجيستي في مطار بغداد.

وكشفت مصادر لـ«الشرق الاوسط» عن ان اجتماعات منفصلة عقدت داخل المنطقة الخضراء في بغداد، حيث التقى مسؤولون عراقيون بممثلين عن فصائل مسلحة، كما عقد المسؤولون العراقيون اجتماعا اخر مع القائم بالاعمال الاميركي لبحث الية تحول دون تصعيد المواجهة الى مستويات اكثر خطورة.

وفي هذا السياق اعلنت «كتائب حزب الله» هدنة لمدة خمسة ايام مشروطة بعدم استهداف مواقعها، في خطوة عدت اختبارا عمليا لامكانية تثبيت التهدئة.

وكانت «كتائب حزب الله» قد طرحت جملة شروط لتعليق هجماتها من بينها وقف ما وصفته بالهجمات الاسرائيلية على الضاحية الجنوبية في بيروت، والتزام واشنطن بعدم استهداف مناطق سكنية داخل العراق اضافة الى تقليص نشاط عناصر الاستخبارات الاميركية خارج السفارة.

غير ان مصادر اشارت الى ان الجانب الاميركي لم يقدم حتى الان ردا واضحا على هذه الشروط، ما يبقي الهدنة في اطار هش وقابل للانهيار.

وميدانيا شهدت العاصمة بغداد هدوءا نسبيا مع اختفاء اصوات الطائرات المسيرة والصواريخ التي كانت تتكرر يوميا خلال شهر رمضان، في مؤشر على نجاح جزئي للجهود السياسية.

لكن هذا الهدوء يتزامن مع استمرار الضربات الجوية الاميركية والاسرائيلية ضد اهداف مرتبطة بالفصائل في مناطق متفرقة من البلاد، من غرب العراق الى شماله وصولا الى جنوب بغداد.

وكانت مصادر غربية اكدت ان واشنطن ستواصل نهجها القائم على توجيه ضربات الى الفصائل المدعومة من ايران ردا على هجماتها في العراق، وقالت المصادر لـ«الشرق الاوسط» ان العمليات العسكرية ستتواصل بهدف تحييد التهديدات في ظل تصاعد التوترات الامنية.

ومن جهته قال رئيس هيئة الاركان المشتركة الاميركية دان كين خلال احاطة في البنتاغون ان مروحيات الهجوم الاميركية من طراز «AH-64» تستهدف تلك الجماعات بهدف «التاكد من قمع اي تهديد في العراق ضد المصالح او القوات الاميركية».

خسائر في صفوف الحشد الشعبي

في غضون ذلك اعلن هادي العامري الامين العام لـ«منظمة بدر» سقوط اكثر من 160 قتيلا وجريحا في صفوف «الحشد الشعبي» جراء الضربات الاخيرة، منددا بما وصفه بـ«الاعتداءات الاميركية – الاسرائيلية».

ويعكس هذا التصعيد تعقيدا اضافيا اذ تصر الحكومة العراقية على عد «الحشد الشعبي» مؤسسة رسمية، في حين يؤدي تداخل بنيته مع الفصائل المسلحة الى جعله هدفا مشروعا للضربات وفق قواعد الاشتباك التي تعتمدها الولايات المتحدة وحلفاؤها.

ودوليا تتزايد الضغوط على بغداد لضبط الجماعات المسلحة فقد دعا الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون السلطات العراقية الى اتخاذ اجراءات واضحة لمنع استهداف البعثات الدبلوماسية، مؤكدا ان ذلك «لا يخدم استقرار العراق».

وفي موازاة ذلك اعلن محافظ اربيل اوميد خوشناو ان عاصمة اقليم كردستان تعرضت لنحو 300 هجوم جوي وصاروخي منذ بداية التصعيد، مؤكدا ان الاقليم «ليس طرفا في الصراع» وان استهدافه «غير مبرر».

ورغم مؤشرات التهدئة لا تزال مواقف بعض الفصائل تتسم بالتصعيد فقد اكد اكرم الكعبي الامين العام لـ«حركة النجباء» ان «المقاومة» مستعدة لجميع السيناريوهات، عادا ان الضربات الجوية لن تثنيها بل ستزيدها اصرارا.

وتعكس التطورات الراهنة توازنا دقيقا بين مساعي الاحتواء ومخاطر الانفجار فبينما تقول الحكومة العراقية انها تسعى الى تجنيب البلاد التحول الى ساحة صراع مفتوح، تبقى هشاشة التفاهمات واستمرار الضربات المتبادلة وخطاب التصعيد عوامل تهدد باعادة اشعال المواجهة في اي لحظة.