مع نهاية الأسبوع الثالث من المواجهة مع إيران، تتضح الصورة بشكل أكبر، حيث حققت الولايات المتحدة وإسرائيل تقدما عسكريا كبيرا، شمل تصفية قيادات عليا وتدمير البنية الصاروخية والبحرية الإيرانية، مما قلل من قدرة طهران على الرد بنفس القوة التي بدأت بها.
إلا أن هذا التقدم العسكري لم يتحول بعد إلى نهاية سياسية واضحة، فلا يوجد انهيار للنظام الإيراني ولا قبول بشروط أمريكية نهائية، وفي هذا الوقت، لا تبدو طهران على وشك الانهيار، كما لا تبدو واشنطن مستعدة للتراجع، وفي هذا السياق، يثار السؤال: ما هي الأهداف التي تسعى واشنطن لتحقيقها، وهل تضغط على طهران للتفاوض أم تدفعها إلى مزيد من التصعيد واستخدام مضيق هرمز كأداة للمساومة؟
تفوق عسكري دون حسم سياسي
على الصعيد العسكري، لا يمكن إنكار أن واشنطن تحقق أهدافها المباشرة، فالحملة الأمريكية الإسرائيلية استهدفت مئات المواقع، بما في ذلك القيادات العليا والبنية الصاروخية والدفاعات الجوية ومراكز الحرس الثوري، وتؤكد الإدارة الأمريكية أن قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة قد تراجعت بشكل كبير، ومقتل علي لاريجاني، الذي كان يعتبر القائد المدني الفعلي في هذه الظروف، وغلام علي رضا سليماني، قائد الباسيج، يمثل ضربة قوية للقيادة التي تدير الأمن الداخلي والحرب.
وهنا يبرز ما قاله مايكل روبين، الباحث في معهد أمريكان إنتربرايز، موضحا أن الولايات المتحدة تهزم إيران عسكريا بسهولة، لكن إيران تتفوق في الرأي العام من خلال عملياتها الإعلامية وحربها النفسية.
وأضاف روبين أن واشنطن أزالت جزءا كبيرا من القيادة الإيرانية وضربت معظم الأهداف بدقة، مما يشير إلى أن البنتاغون كان يجمع بنك الأهداف منذ سنوات، وبين أن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى انتصار سياسي كامل، لأن طهران لا تزال قادرة على إظهار تماسك الدولة وتصوير الحرب كمعركة صمود لا هزيمة.
وأشار إلى أن الاستخبارات الأمريكية كانت قد قدرت قبل الحرب أن هجوما واسعا لن يكون كافيا لإسقاط النظام الإيراني، وبعد مرور أكثر من أسبوعين على القصف، لا تزال التقديرات الغربية تتحدث عن نظام أضعف ولكنه أكثر تصلبا، وله قبضة أكبر من الحرس الثوري، موضحا أن واشنطن تقترب من تحقيق سقفها العسكري أكثر من تحقيق هدفها السياسي الأشمل، خاصة إذا كان هذا الهدف يتجاوز الردع وتخريب البرامج الصاروخية والنووية إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في إيران.
إضعاف للنظام أم دفعه لمزيد من التشدد؟
اغتيال لاريجاني له دلالة كبيرة، حيث كان يوصف بأنه قادر على الجمع بين البراغماتيين والمتشددين، وكان يمثل شخصية يمكن أن تتحدث مع الغرب بمرونة أكبر، لذلك، فإن مقتله يضعف القدرة المؤسسية للنظام، لكنه قد يدفع نحو تقوية الجناح الأكثر تشددا المرتبط بالحرس الثوري، وهو الأقل استعدادا لتقديم تنازلات سريعة.
وأظهرت التقارير الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة أن النظام الإيراني يرسخ سلطته رغم الخسائر، وأن الاحتمال الأرجح هو بقاء الجمهورية الإسلامية ولكن بصيغة أكبر تشددا وتوسعا أمنيا، بينما تشير تقارير أخرى إلى أن الرهان الإسرائيلي على انتفاضة شعبية سريعة يصطدم بواقع أن أجهزة القمع لا تزال تسيطر، وأن أي تحرك واسع قد يواجه مذبحة بدلا من تغيير النظام.
وهنا يبرز رأي باراك بارفي، الباحث في نيو أمريكا، موضحا أن مع مرور كل يوم، تزداد مغالطات هذه الحرب اتضاحا، ويزداد عجز الإدارة عن إيجاد مخرج منها، وفي الوقت الذي يتباهى فيه الرئيس بأن الحرب تسير بشكل رائع، فإنه لا يملك مخرجا آمنا لإنهاءها، ويرى بارفي أن الإيرانيين هم من سيحددون توقيت نهاية الحرب، لا ترمب، وقد يكون في هذا الرأي مبالغة، لكنه يلتقط نقطة أساسية: طهران لم تعد تراهن على كسب الحرب في الميدان، بل على إفشال ترجمة الإنجاز الأمريكي إلى تسوية سياسية مريحة لواشنطن.
مضيق هرمز لم يُحسم
إذا كان ميزان النار يميل بوضوح إلى واشنطن، فإن ميزان الضغط السياسي والاقتصادي لا يزال معقدا، فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، تحول إلى عقدة الحرب الأساسية.
واللافت أن الولايات المتحدة، رغم سيطرتها الجوية وضرباتها المكثفة، لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه السيطرة إلى أمن ملاحي كامل، حيث وصفت تقارير أمريكية المضيق بأنه أشبه بصندوق قتل بسبب الصواريخ المتحركة والزوارق السريعة والألغام والطائرات المسيرة، مما أدى إلى تباطؤ حركة الشحن وارتفاع أسعار النفط العالمية.
وهنا تتكشف حدود القوة الأمريكية، حيث صعّد ترمب هجومه على الأوروبيين وحلفاء الناتو بعدما رفضت دول أساسية إرسال قوات بحرية للمشاركة في فتح المضيق، بينما شدد قادة أوروبيون على أن هذه ليست حربهم، وأن الناتو تحالف دفاعي لا يلزمهم بالانضمام إلى حرب اختيارية في الشرق الأوسط.
وأكد أن هذا الرفض مؤشر إلى أن واشنطن تريد تدويل تكلفة إدارة الأزمة بعدما انفردت بقرار إشعالها، كما أنه يفسر نبرة ترمب الغاضبة، حيث يريد من الحلفاء تخفيف الضغط الاقتصادي الذي قد يرغمه على إنهاء الحرب قبل أوانها السياسي المرغوب.
لكن القراءة الأخرى، الأقرب إلى منطق ترمب، تقول إن الرجل يحاول تحويل هرمز من نقطة ضعف إلى أداة ابتزاز استراتيجية، فما دام أن العالم يحتاج إلى انسياب الطاقة عبر هذا الممر، فإن واشنطن تستطيع أن تستخدم الأزمة لفرض اصطفافات جديدة وتحصيل أثمان سياسية وأمنية من الجميع.
وشدد على أن هذه المقاربة تبقى محفوفة بالمخاطر، لأن استمرار إغلاق المضيق أو اضطرابه لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط أيضا على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه قبل انتخابات التجديد النصفي.
هل اقتربت طهران من المفاوضات؟
الجواب الأدق هو: اقتربت من الاختبار التفاوضي، لا من التسوية بعد، وتشير المعطيات إلى إعادة تفعيل قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في أول تواصل معروف منذ اندلاع الحرب، لكن طهران سارعت إلى النفي، وكرر عراقجي أن التفاوض لا يكون تحت التهديد.
وبين أن هذا التناقض لا يعني أن التواصل غير موجود بالضرورة، بل يعني أن ما يجري لا يزال في مرحلة جس النبض ومحاولة استكشاف الشروط، لا في مرحلة تفاوض رسمي على وقف دائم للحرب.
وأوضح أن المؤشر الأهم هنا هو أن واشنطن نفسها لا تبدو واثقة بمن يملك قرار التفاوض داخل طهران بعد سلسلة الاغتيالات، وأنها تشك في أن عراقجي مخول فعلا حسم المسائل الكبرى، وفي المقابل، تقول التقديرات الأمريكية إن النظام لا يزال متماسكا بما يكفي لرفض استسلام سريع، فيما يفضل استخدام هرمز والصمود الداخلي لرفع تكلفة الحرب على خصومه، لذلك، يبدو أن إيران تريد التفاوض من موقع من لم يسقط، لا من موقع من هزم بالكامل، وأنها تسعى أولا إلى ضمانات أقوى من مجرد هدنة تسمح لواشنطن وإسرائيل بإعادة التموضع.





