في مشهد مأساوي، تحولت مهمة يوسف عساف، المسعف في الصليب الأحمر اللبناني، إلى رحلة أخيرة، حيث لم تتوقع زوجته جندارك بطرس أن تكون عودته إلى صور نهاية حياته، إذ فارق الحياة متأثرا بجروح أصيب بها جراء غارة في جنوب لبنان أثناء مهمة إسعاف.
وتجد الطواقم الطبية نفسها في قلب الصراع الدائر بين حزب الله وإسرائيل، حيث لم تعد بمنأى عن الاستهداف، إذ كشفت وزارة الصحة اللبنانية عن مقتل 38 من العاملين في القطاع الصحي منذ بداية مارس، وكان عساف من بينهم.
وتروي جندارك، التي نزحت إلى شمال لبنان، تفاصيل اللحظات الصعبة التي عاشتها عندما تلقت خبر إصابة زوجها، إذ تقول: "اتصل بنا أحد من الدفاع المدني وأخبرنا أن يوسف في المستشفى لكنه بخير، شعرنا بالصدمة".
وتضيف: "لم أقم بأي ردة فعل، بقيت أصلي وأقول بقلبي لن يصيبه مكروه"، لكن القدر لم يمهل الشاب البالغ من العمر 35 عاما، إذ فارق الحياة بعد يومين.
واعلنت وزارة الصحة عن مقتله "متأثرا بجراح أصيب بها إثر استهداف العدو الاسرائيلي سيارة الإسعاف التي كان يتوجه فيها مع زميله، للقيام بمهمة إنقاذية في بلدة مجدل زون".
وتصف بطرس خبر الوفاة بأنه كان بمثابة الصاعقة، إذ تقول: "أعطوني حقنة مهدئة، لا أعرف ماذا حصل معي، وقعت على الأرض وكنت أتخبط".
وتتساءل: "كيف يجرحون أو يقتلون مسعفين ينقذون الناس؟ ليسوا مسلحين ولا محزبين"، مؤكدة أن "ما حصل غير قانوني ولا أحد يقبل به".
واكد الأمين العام للصليب الأحمر، جورج كتانة، أن فرقهم لا تتحرك في جنوب لبنان إلا بعد تبليغ الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة، وشدد على ضرورة "تأمين مسار آمن" لتحرك المسعفين على الأرض، مبينا أن "حياديتهم واستقلاليتهم تفرض ذلك".
وقال إن الصليب الأحمر طالب وزارة الخارجية بالتواصل مع الأمم المتحدة "بخصوص حماية الطواقم الطبية وحماية الشارة وتأمين مسار آمن".
تصاعد المخاوف من القصف المتواصل
واثارت الضربات المتكررة على العاملين في القطاع الصحي مخاوف واسعة، على غرار منى أبو زيد، مديرة مستشفى في النبطية، التي أعربت عن قلقها على سلامة مسعفيها.
وتضيف أبو زيد أن وتيرة القصف المتواصل تزيد عملهم صعوبة، وقالت: "الوضع صعب جدا، هناك قصف متواصل، يسقط مدنيون، منذ أيام وصلتنا أشلاء طفلة، إلى أي مدى بإمكاننا تحمل هذا الضغط؟".
وتفاقمت المخاوف بعد مقتل 12 عاملا صحيا في غارة استهدفت مركزا للرعاية في برج قلاويه، وأعلنت الهيئة الصحية الإسلامية التابعة لحزب الله أن المركز تابع لها.
وتقول فاطمة شومر، أرملة ممرض قضى في الضربة: "لا أعرف لماذا استهدفوهم، لم يكونوا عسكريين، حتى ولو كانوا يدعمون حزب الله، لكنهم أطباء وممرضون يساعدون الأطفال وجميع الناس".
واتهم الجيش الإسرائيلي حزب الله باستخدام سيارات الإسعاف "استخداما عسكريا واسعا"، في حين تتهم وزارة الصحة اللبنانية الجيش الإسرائيلي باستهداف "مركزا للطواقم الإسعافية خلال أدائهم مهامهم الإنقاذية".
ويوضح الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش، رمزي قيس، أن القانون الدولي يحرّم استهداف الأطباء والممرضين والمسعفين وسيارات الإسعاف في ظل غياب دلائل دامغة على ارتكابهم أعمالا خارج إطار مهامهم الإنسانية.
ويشرح قيس أنه بموجب القانون الدولي، يتعين على الجيش الإسرائيلي "أن يوجه تحذيرا بوقف هذا الاستخدام" إن وجد، موضحا أنه "لم يقدم أي دليل يثبت أن تلك المراكز أو السيارات التي استهدفها تستخدم لأغراض عسكرية".
تجاوز الخطوط الحمراء
ومنذ بداية الحرب، أحصت وزارة الصحة 53 هجوما على الجمعيات الإسعافية و13 على مراكز طبية وإسعافية و30 آلية وخمسة مستشفيات.
ويشير قيس إلى أن المنظمة وثقت في 2024 "هجمات متكررة على سيارات إسعاف ومراكز للدفاع المدني ومستشفى، ما أدى إلى مقتل عاملين في المجال الطبي، وهي أفعال ترقى إلى جرائم حرب".
ويضيف: "النمط الذي نشهده اليوم يثير القلق، لأنه يشبه إلى حد كبير ما حدث بين أكتوبر ونوفمبر 2023"، حين أحصت المنظمة مقتل 220 من العاملين في القطاع الصحي.
وشدد قيس على أنه بغض النظر عن توجهاتهم "لا ينبغي أن يكون المدنيون العاملون في القطاع الصحي هدفا".
واعرب المسعف ناصر عجرم عن قلقه على الرغم من إصراره على مواصلة رسالته الإنسانية، وقال: "أول أمس ضربوا مركزا، قتلوا أطباء وممرضين، لم يعد هناك محرمات".
ويضيف: "هذا مسعف، ينبغي أن تفتح الطريق له وتؤمن له الحماية، لكن يبدو أن لا حماية الآن".
وتعيش جندارك لحظات الخسارة التي لا تعوض، في حين يسأل طفلها عن موعد عودة والده.
وتختم الأرملة حديثها قائلة: "كنت أحلم دائما كيف سنكبر معا، وأقول له كيف سيصبح كبيرا في السن وأنا أيضا"، متذكرة شغفه بكرة السلة والتزلج والصيد والبحر وحبه لمساعدة الناس.





