الضمان الاجتماعي: ركيزة الاستقرار الوطني وأمان الأجيال

الضمان الاجتماعي: ركيزة الاستقرار الوطني وأمان الأجيال

* أبعد من مجرد "تقاعد مبكر"

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، يبرز التساؤل حول جدوى الاستمرار في منظومات الحماية الاجتماعية كأحد الهواجس التي تؤرق المواطن، لا سيما أبناءنا المغتربين العاملين في الخارج. وكثيراً ما يُطرح عليّ السؤال: "هل نتوقف عن دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي؟". وإجابتي دائماً تأتي من منطلق المسؤولية الوطنية والرؤية الاستراتيجية للدولة: "لا، بل استمروا، فالضمان ليس مجرد راتب تقاعدي ننتظره في خريف العمر، بل هو صمام أمان للمجتمع والدولة على حد سواء".

إن النظرة القاصرة للضمان الاجتماعي بوصفه "حصالة" للتقاعد المبكر هي التي أرهقت صناديقنا التأمينية تاريخياً. أما اليوم، ونحن نتحدث بلغة المنطق، فإننا نرى في الضمان الاجتماعي أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المملكة. فالمؤسسة التي تدير اليوم أصولاً تجاوزت قيمتها 18.6 مليار دينار بنهاية عام 2025، ليست مجرد جهة جباية، بل هي المحرك الاستثماري الأكبر في اقتصادنا الوطني، والضامن لحقوق الأجيال القادمة.

الحماية قبل الاستثمار: فلسفة المخاطر

عندما ندعو المغترب للاشتراك الاختياري، فنحن لا نبيعه "وهماً" استثمارياً، بل نقدم له شبكة أمان حقيقية ضد مخاطر الحياة الثلاثة: الشيخوخة، والعجز، والوفاة. ولنتأمل لغة الأرقام التي لا تجامل؛ فالمشترك الذي يسدد اشتراكاته بانتظام، يشتري "بوليصة تأمين" شاملة. ففي حالات العجز الطبيعي الكلي - لا قدر الله - يكفي أن يكون للمشترك 60 اشتراكاً (منها 24 متصلة) ليحصل على راتب يعادل 50% من متوسط أجره، مع زيادات إضافية(40) دينارا وعلاواة إعانة (25%) من راتب العجز قد تصل بالراتب إلى مستويات تضمن له حياة كريمة، وهو ما قد يسترد كامل ما دفعه في غضون (17) شهرا من بدء صرف الراتب.

هذه الحماية تمتد لتشمل الورثة في حال الوفاة، حيث تتحول الاشتراكات البسيطة(24)إشتراكا، إلى دخل مستدام للأرامل والأيتام، مما يحمي الأسر من غوائل الزمن ويمنع انزلاقها نحو خط الفقر. إنها "العدالة التوزيعية" في أبهى صورها، حيث يتكاتف المجتمع لحماية أفراده.

تحدي الاستدامة وحقوق الأجيال

إن الحديث عن "التقاعد المبكر" يجب أن يُطرح بشفافية ومسؤولية. فالدراسات الإكتوارية العالمية والمحلية تحذر من استنزاف الصناديق عبر التقاعد المبكر غير المدروس. ومن هنا، فإن توجه الدولة نحو تقنين هذا النوع من التقاعد، يحتاج لتروي وحوار وطني لاتكون مخرجاته "تغولاً" على الحقوق، بل هو "صون" لها، فالمطلوب تعديلات عادلة تراعي الحقوق المكتسبة للمشتركين،و تضمن أن يجد شابٌ بدأ عمله الآن راتباً تقاعدياً بعد ثلاثين عاماً.

إننا نتطلع إلى مجلس الأمة لإعادة النظر في مشروع قانون الضمان الاجتماعي بمنظور يوازن بين الاستدامة المالية للمؤسسة وبين الحقوق المكتسبة للمشتركين. فالهدف هو بناء نظام تأميني مرن، يشجع على الاستمرار في العمل، ويكافئ من يخدم وطنه لسنوات أطول براتب تقاعدي مجزٍ.

دعوة للمغتربين: أنتم شركاء في البناء

إلى الأردنيين في الخارج، الذين يمثلون سفراءنا وقوتنا الناعمة: إن اشتراككم الاختياري - والذي تجاوز عدد المشتركين فيه 108 آلاف مشترك - هو قرار مسؤول تجاه أنفسكم وعائلاتكم، وهو في الوقت ذاته مساهمة في تعزيز المنعة الاقتصادية لوطنكم. فالضمان الاجتماعي هو الأداة المركزية لحماية المواطن أينما وجد، وهو الاستثمار الذي لا يخسر في بورصة الأزمات.

ختاماً، إن الضمان الاجتماعي هو "العقد الاجتماعي" المتجدد بين الدولة والمواطن. هو رسالة طمأنينة بأن الدولة الأردنية، بمؤسساتها الراسخة، تقف خلف مواطنها في كل مراحل حياته. فلنحافظ على هذه المؤسسة، ولنطور تشريعاتها بعقلية البناء والاستدامة، ليبقى الأردن دائماً واحة أمان واستقرار.

* خبير ضمان إجتماعي/ أمين عام وزارة سابق