القطايف الاردنية.. حلوى رمضانية تتصدر موائد الافطار

القطايف الاردنية.. حلوى رمضانية تتصدر موائد الافطار

مع اقتراب موعد الافطار، تتعالى في اسواق عمان رائحة القطايف الساخنة، معلنة حضور واحدة من اعرق الحلويات الرمضانية التي ارتبطت وجدانيا بالشهر الفضيل، ورسخت مكانتها على المائدة في الاردن بوصفها ارثا غذائيا حافظ على بساطته ومكوناته عبر قرون طويلة.

وتعتبر القطايف الحلوى الرئيسة في رمضان، اذ يقتصر انتاجها غالبا على هذا الشهر، لتغدو طقسا يوميا ينتظره الصائمون بعد الافطار مباشرة، ليس في الاردن فحسب، بل في بلاد الشام ومصر وعدد من الدول العربية، في حين تحافظ محلات محدودة على بيعها على مدار العام.

وقال صاحب محل لبيع القطايف الشعبية، وهو يسكب العجين على الصاج الساخن، ان صناعة الحلويات الشعبية مهنته الاساسية، واضاف "لكن رمضان هو موسم القطايف بامتياز، ابدا عملي منذ الظهيرة وحتى قبيل الغروب، فهي مصدر رزقي ورزق عائلتي في هذا الشهر المبارك".

واوضح ان عجينة القطايف تتكون من طحين الزهرة والحليب والخميرة، وتنضج بوقت قصير، فالعجينة سهلة التحضير ومنخفضة التكلفة، مؤكدا ان خفتها ورقتها سر جودتها، الا ان العائلات الاردنية تفضل شراءها من المحال، نظرا لاعتماد الكثير من اصحاب المحال الشعبية كمصدر دخل لهم خلال شهر رمضان.

وفي مشهد يعكس روح الشهر، يصطف شاب ثلاثيني بانتظار دوره، وقال انه يحرص يوميا على شراء القطايف لعائلته "لانها طعم رمضان الحقيقي"، فيما يقف امامه رجل خمسيني يحمل اربعة اكياس، موضحا ان واحدا منها لبيته، "اما البقية فتذهب لعائلات مستورة، فرمضان شهر تكافل لا اسراف فيه".

وقال الشيخ الستيني ابو جهاد، وهو يمسك بكيسين من القطايف احدهما لاسرته والاخر لجيرانه، ان شهر رمضان "لا يقاس بكثرة ما نضعه على المائدة، بل بقدر ما نزرعه من رحمة في القلوب"، مؤكدا ان التكافل الاجتماعي في هذا الشهر الفضيل ليس ترفا، بل عبادة وسلوك اصيل دعا اليه الدين الحنيف، حين يشعر الانسان بغيره، ويشارك المحتاجين فرحة الافطار.

واضاف ان رمضان هو شهر الطاعات والعبادات قبل ان يكون شهرا للمأكولات، داعيا الى نبذ مظاهر الاسراف التي تتنافى مع روح الصيام، والعودة الى جوهر هذا الشهر القائم على الصبر، وضبط النفس، والاحسان الى الاخرين، لافتا الى ان البساطة في العيش، ومشاركة الخير، تعيد للبيوت طمأنينتها، وللمجتمع تماسكه، وتجعل من رمضان مدرسة اخلاقية تتجدد كل عام.

ورغم تطور وسائل الانتاج، لا تزال الطريقة التقليدية في صناعة القطايف، عبر صب العجينة من ابريق معدني على صاج النار، حاضرة بقوة، لا سيما في القرى والارياف، في حين تعتمد المخابز الكبرى على الات حديثة تنتج كميات اكبر، دون ان يغير ذلك من تفضيل الاردنيين للقطايف المصنوعة بالطريقة الشعبية ومتابعة اعدادها.

وتصنع القطايف باحجام متعددة، اطلق عليها اهل الشام ومصر تسميات مستوحاة من الطيور؛ فالصغير "عصافيري"، والوسط "حمام"، والكبير الذي يشبه رغيف الخبز، وغالبا ما يحشى ويغطى بطبقة اخرى لشويه في الفرن.

وتشير مصادر تاريخية موثقة الى ان انتشار القطايف يعود الى العصر العباسي المبكر، خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، حيث ورد ذكرها في كتب الطبخ انذاك، ومن اقدمها كتاب الطبيخ لمؤلفه ابن سيار الوراق، مما يعزز فرضية انطلاقها من بيئات الشام قبل انتقالها الى اقاليم عربية اخرى.

وفي الاردن، حافظت القطايف على طابعها التقليدي وحشواتها المتنوعة من الجوز والقشطة والجبن، لتبقى حاضرة في الذاكرة الشعبية، وتقدم مشوية او مقلية مع القطر، فيما يفضل بعض الصائمين، لا سيما الاطفال، تناولها نيئة ودون اضافات.

وتبقى القطايف، كما يؤكد مواطنون، رمزا جامعا بين الموروث الشعبي والبعد الثقافي المشترك للمطبخ العربي، وحلوى لا تغيب عن موائد رمضان، تذكر بروح الشهر القائمة على البساطة، والتكافل، والاعتدال.