في ظروف الحرب الراهنة، تثبت وكالة ستاندرد اند بورز التصنيف الائتماني عند BB- مع نظرة مستقبلية مستقرة، هو بمثابة تقيس لقدرة الاقتصاد على الحفاظ على توازنه ضمن بيئة اقليمية شديدة التقلب، وفي لحظة تتصاعد فيها المخاطر الجيوسياسية، ما يجعل التثبيت ليس مجرد قرار فني، بل اشارة الى امتلاك الاقتصاد ادوات تحوط يمكن قياسها عبر مؤشرات رقمية صلبة.
المؤشر الاول، الاحتياطيات الأجنبية التي تتجاوز 28 مليار دولار، وتغطي اكثر من 9 اشهر من المستوردات. ما يعني القدرة على تمويل مستوردات تزيد عن ثلاثة ارباع السنة دون تدفقات خارجية جديدة. ومع استقرار سعر صرف الدينار، يصبح هذا الغطاء النقدي، ركيزة اساسية في الحد من نتقال صدمات الحرب الى السوق المحلي.
المؤشر الثاني القطاع الخارجي، فارتفاع الصادرات الوطنية بنسبة 9.9 %، وارتفاع حجم الصادرات الكلية الى 10.6 مليار دينار، وارتفاع نسبة تغطية الصادرات للمستوردات الى 52%، يعني ان الاقتصاد يمول اكثر من نصف احتياجاته السلعية من موارده الذاتية، وحتى في حال ارتفعت اسعار النفط بسبب الحرب الى ما فوق 100 دولار للبرميل -كل زيادة بمقدار 10 دولارات تعني نحو 1.5 مليون دولار يوميا اي ما يقارب 45 مليون دولار شهريا ونحو 548 مليون دولار سنويا كعبء اضافي على فاتورة الاستيراد- فان وجود قاعدة تصديرية اوسع، يخفف من اثر ارتفاع اسعار النفط، ويحد من التاثير على ميزان المدفوعات، او استنزاف الاحتياطيات.
المؤشر الثالث مخزونات الطاقة، اذ ان هناك مخزونا غازيا يغطي 30 يوما، نفط خام نحو 45 يوما، وديزل نحو 67 يوما، بنزين بنوعيه 58 و76 يوما، ووقود الطائرات 75 يوما، ما يعني ان الاقتصاد يستطيع امتصاص اضطراب مؤقت في الامدادات دون انقطاع مباشر في السوق.
الى جانب ذلك، المخزون الغذائي للقمح بحدود 12 شهرا، وللشعير بحدود 8 شهور، ولبعض المخزونات الغذائية الاساسية الى 6 شهور، ما يمنح صانع القرار وقتا زمنيا ثمينا لادارة تداعيات الحرب تدريجيا لمنع او الحد من انتقالها الى اسعار الغذاء والسلع الاساسية.
المؤشر الرابع النمو الاقتصادي، مع ان النمو المتوقع للعام 2026 يلامس 3%، فانه ورغم اعتدال هذه النسبة الا انها في بيئة اقليمية مضطربة تعكس اقتصادا يتحرك الى الامام، ولعل ما يقدم بعض الشرح المفيد هنا ارتفاع مساحات الابنية المرخصة 13.6 %، ما يشير الى نشاط واضح في قطاع العقارات. وارتفاع واردات الالات والمعدات 21 %، ما يظهر توسعا في الاستثمار الانتاجي، اي ان القاعدة الانتاجية تتوسع تدريجيا وهو ما يعزز القدرة على التعافي اذا طال امد الصراع.
من منظور زمني يمكن قراءة القدرة على استيعاب تداعيات الحرب الاقتصادية عبر ثلاث مراحل:الاسابيع الاولى، حيث يشكل الغطاء النقدي والمخزون النفطي والسلعي، خط الدفاع الاول لهضم التداعيات وان كان هناك توقعات لتراجع في النشاط السياحي.
بعد شهر الى شهرين ومع بقاءاسعار النفط فوق 100 دولار، تبدا المستوردات النفطية بالارتفاع بحدود 100 مليون دولار شهريا، وقد يكون هناك تراجع اضافي في النشاط السياحي، وبداية الشعور بارتفاع اسعار بعض السلع الاساسية، ما يعني ضرورة التفكير باستخدام الاحتياطي الاسراتيجي النفطي والسلعي.
أكثر من ثلاثة شهور، بداية تشكل صدمة طاقة عالمية مع توقعات ارتفاع اسعار النفط الى 120 دولار واكثر، خصوصا مع اغلاق مضيق هرمز وربما باب المندب، بالتزامن مع ارتفاع كلف سلاسل الامداد والتوريد مما سيرفع التضخم ومن ثم اسعار الفائدة وبالتالي اسعار السلع الاساسية وغيرها، حيث سنشعر اكثر بتداعيات الحرب وبالذات اذا تحولنا لاستخدام الوقود الثقيل لتوليد الطاقة الكهربائية بسبب توقف واردتنا الغازية، ما يعني ضرورة وجود ادارة مالية اكثر انضباطا، وسيناريوهات مختلفة للتعامل مع التداعيات بشكل متسق مع متطلباتها.
استيعاب تداعيات الحرب -وان كان من ادواته عدد الايام والاشهر التي يغطيها المخزون- الا ان الاهم القدرة على استثمار الزمن الذي يشتريه المخزون لبناء مرونة دائمة.
-
"حرب الفيسبوك"2026-03-05 -
-
-
-
