تحليل استراتيجي: هل تصمد طهران بعد الضربة ام تتكيف مع الواقع الجديد؟

تحليل استراتيجي: هل تصمد طهران بعد الضربة ام تتكيف مع الواقع الجديد؟

بعد مرور اربعة ايام على بدء العمليات العسكرية الاميركية الاسرائيلية ضد ايران، يترقب العالم مصير النظام الايراني ومدى قدرته على الصمود في وجه هذه التحديات الجسيمة.

ورغم ان اغتيال المرشد الاعلى علي خامنئي، وهو اعلى سلطة في ايران، قد خلف فراغا سياسيا ورمزيا كبيرا، الا ان هذا لم يؤد الى انهيار كامل لمنظومة الحكم التي تبدو مصممة لتحمل الصدمات، وذلك من خلال شبكة معقدة من المؤسسات الامنية والعسكرية والبيروقراطية والدينية.

وبينما قد يكون من غير الدقيق افتراض انهيار فوري للنظام بمجرد موت المرشد، الا انه من غير الصحيح ايضا تصور ان النظام الايراني قادر على تجاوز هذه المرحلة الانتقالية بسهولة ودون اي اضطرابات.

واعتبر الحدث الابرز الذي يشير الى ان الحرب تتجاوز مجرد استهداف القدرات العسكرية الى اختبار حقيقي لآليات الخلافة، هو استهداف مواقع مرتبطة بمؤسسة اختيار المرشد الجديد، فقد اشارت التقارير الى استهداف مقر اجتماعات مجلس خبراء القيادة في طهران، بالاضافة الى موقع مرتبط بامانته في قم، وسط تضارب في الروايات حول توقيت الضربة وهوية الحاضرين.

واضافت التقارير ان هذه الضربة، حتى لو لم تنه عملية الخلافة بشكل كامل، فانها تثير تساؤلات جوهرية داخل النظام حول كيفية اختيار قائد اعلى جديد في ظل هذه الظروف التي اصبحت فيها "غرفة القرار" نفسها هدفا مشروعا، وهو ما قد يؤدي الى ظهور خلافات عميقة داخل بنية السلطة حول الاولويات، بين الانتقام وتثبيت الوضع الداخلي وشراء الوقت او فتح باب التفاوض المشروط.

معضلة ما بعد الضربة وتحديات ايران

وفي واشنطن، تتنافس رؤيتان: الاولى خطابية وتعبوية للرئيس الاميركي، والثانية عملية تسعى الى حصر الحرب في اهداف محددة وقابلة للقياس، مثل استهداف الصواريخ والبحرية ومنع ايران من اعادة بناء برنامجها النووي، وقد ظهر التناقض بين هاتين الرؤيتين بوضوح في الايام الاخيرة، مع تقارير عن تذبذب المبررات المعلنة وتغيير ترتيب الاهداف.

واوضح الباحث في الشان الايراني بمعهد واشنطن، فرزين نديمي، ان الحشد العسكري الاميركي يشير عادة الى ضربات محدودة ومركزة او حملة ذات اهداف مخففة، وليس الى غزو شامل، الا ان الحرب الحالية، ومع اتساع نطاقها، تدفع هذا التقدير الى اختبار قاس، فكلما اتسع الرد الايراني اقليميا، قلت واقعية الحملة المحدودة زمنيا، حتى لو بقيت محدودة بغياب القوات البرية.

واكد نديمي ان "اليوم التالي" في ايران اكثر تعقيدا من مجرد غارة خاطفة او تغيير راس النظام وترتيب تفاهمات، وهو ما يجعل الحديث عن انهيار قريب للنظام بعد اربعة ايام فقط اقرب الى امنية سياسية منه الى قراءة واقعية.

خطة الحرب الاميركية واستراتيجية المراحل

من زاوية عسكرية وسياسية، تبدو الخطة الاميركية اقرب الى حرب مراحل، تبدا بتحييد الدفاعات واثبات التفوق الجوي، ثم توسيع بنك الاهداف ليشمل البنية الصاروخية والبحرية ومراكز القيادة والسيطرة، وصولا الى المرحلة الاصعب التي اشار اليها وزير الخارجية الاميركي بقوله ان "الضربات الاقسى لم تات بعد"، وقد ترافقت هذه الاشارة مع الحديث عن ان الحملة قد تمتد اسابيع لا اياما.

لكن المراحل لا تقرا فقط في عدد الطلعات والاهداف، بل في كيفية تسويق الغاية السياسية، فبينما يلمح بعض مسؤولي الادارة الاميركية الى ان مصير النظام الايراني "عرضي" قياسا بهدف منع ايران من امتلاك قنبلة نووية، تظهر في الخلفية مقاربة اخرى اكثر واقعية، وهي ليست تغيير النظام بالضرورة، بل تغيير سلوكه، وهذا الفارق يحدد شكل النهاية الممكنة، فاذا كان الهدف هو السلوك، فيمكن نظريا انهاء الحرب بتفاهم قاس مع ما تبقى من السلطة في طهران، اما اذا اصبح الهدف هو النظام، فستطول الحرب لان اسقاط الانظمة من الجو دون قوات على الارض ليس وصفة مضمونة، بل وصفة للفوضى احيانا.

وفي الميدان، تضغط الحرب بشكل متزايد على النظام بطريقتين: الاولى ضرب قدرات الردع التقليدية، والثانية ضرب الايقاع المؤسسي للنظام عبر استهداف حلقات القرار والرمزية، وصولا الى استهداف مؤسسة الخلافة نفسها.

توسيع دائرة النار وتداعيات اقليمية

في المقابل، تتصرف طهران على قاعدة ان افضل دفاع هو توسيع دائرة النار لا حصرها داخل ايران، فالهجمات على دول خليجية ومرافق حساسة والتهديدات للملاحة والطاقة قد تكون جزءا من استراتيجية محسوبة لرفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها وربط النهاية باثمان اقتصادية وامنية دولية.

وبين الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ديفيد داود، ان التدخل المحدود من حزب الله ومحور المقاومة يعكس تزايد تقدير داخل المحور بان النظام قد يواجه خطرا وجوديا اذا استمر تجاه الحرب وشدتها، ما يخلق دافعا لتوسيع المواجهة وتقسيم القدرات الاسرائيلية والاميركية على جبهات عدة لابطاء اثر الحرب على بقاء النظام قبل فوات الاوان.

وفي الوقت نفسه، شدد داود على ان هذا لا يعني ان سقوط النظام بات محسوما، بل ان المسار جعل احتمال الوصول الى تلك النقطة اكثر قابلية للتصور.

واوضح داود ان توسيع الحرب قد يمنح النظام "هوامش مناورة" عبر التشتيت ورفع التكلفة، لكنه قد يفتح ايضا باب رد اعنف ويسرع انتقال الحملة الاميركية من تحييد القدرات الى معاقبة بنية الحكم، خصوصا مع تصاعد ضغط الراي العام الاميركي والخسائر البشرية بعد مقتل جنود اميركيين في ضربات خلال الايام الاولى للحملة.

سيناريوهات محتملة ومستقبل الحرب

بعد مرور اربعة ايام، يمكن توقع ثلاثة مسارات واقعية، جميعها قاسية:

المسار الاول هو "صفقة تحت النار"، حيث تتصاعد الضربات وتزداد الاخطار على الداخل الايراني، فتقبل دوائر في الحكم او قيادة انتقالية بتفاهم يحقق "تغيير السلوك"، وقيودا صارمة على الصواريخ والمسيرات وآليات رقابة وتفكيك مفاصل محددة وضبط عمل الوكلاء اقليميا، مقابل وقف الحملة وترك "شكل النظام" قائما ولو مشوها، وهذا المسار ينسجم مع لغة "السلوك" لا "النظام".

المسار الثاني هو تآكل من الداخل، حيث لا تكون هناك صفقة سريعة، لكن الضربات المتدرجة على القيادة والمؤسسات الحساسة تفاقم الانقسامات الداخلية وتنتج مراكز قوة متنافسة، وفي هذه الحالة، لا يكون السقوط فوريا، بل تفككا بطيئا مع فوضى امنية، وتشير الاحداث الاخيرة الى ان هذا السيناريو لم يعد نظريا.

المسار الثالث هو حرب اقليمية ممتدة، حيث ينجح النظام في تجنيد ساحات متعددة وتستنزف المنطقة، وترتفع اسعار الطاقة وتحدث احتكاكات على اراضي دول تستضيف قواعد اميركية، ما يرفع ضغطا دوليا لوقف اطلاق النار دون حسم واضح، وتعتبر التحركات التي اصابت منشآت ومصالح في الخليج وارتدادها على اسواق الطاقة مؤشرات مبكرة لهذا المسار.

واختتم داود حديثه قائلا ان نهاية الحرب لن تقرا فقط في عدد الايام والاسابيع، بل في تعريف واشنطن للنصر، وهل يكفي تعطيل قدرات محددة ام تريد تغييرا سياسيا لا تملك له "خريطة تسليم"، وحتى الان، فان الاجابة تتارجح، وهذا التارجح نفسه قد يكون اخطر عنصر في حرب بدات بصدمة كبرى ولم تقل كلمتها الاخيرة بعد.