صفارات إنذار

صفارات إنذار

تعزف؛ أو تجوح، أو تنذر وتحذر، كلها أوصاف، قد يتوارد أحدها أو كلها في ذهن من يستمع حتى بلا إصغاء.. وحقيقي أننا لسنا كغيرنا من الشعوب العربية المنكوبة، التي عاشت تجارب الحروب، وأصبحت صفارات الإنذار مألوفة في ثقافتها، وتاريخها الوطني.. لكن ما الذي يتوارد لأذهان الأردنيين فعلا حال سماعهم لصفارات الإنذار، التي تنطلق منذ صباح يوم السبت الماضي؟!.

إن أهم حكمة تستقر في ذهن الأردني، وقلبه، وعقله أيضا، هي السلامة، والأمان، والالتزام بالتعليمات «الجمعية»، المطلوبة، أي أن لا مجال هنا لتفكير او تخطيط «استراتيجي»، يقود صاحبه خارج «جلده» ووطنه وبيته، فالحرب التي تدور رحاها، حرب توقعناها، وبعضنا تمناها، لكنها ليست حربنا بكل تأكيد، فنحن الأردنيين و»العرب» الملتزمين بعروبتهم، عانينا ما يكفي من خيبات سببها حروب، أشعلتها جيوش وعصابات ليست عربية، وكنا شهود عيان على سقوط دول عربية، وموت الملايين، قتلا بالاسلحة او بآثار الحرب وانعكاساتها السيئة، كالفوضى والمجاعات.. وإيران بالذات، أشعلت الكثير من هذه الحروب، ولم تكتوِ بنارها «ولو لمرة واحدة بعد حرب السنوات الثمان مع العراق»، ثم انطلقت بعدها تستخدم شعوب عربية، وأراضيها، وقودا لحروبها البعيدة عن أرضها وسمائها وشعبها.. فمن العدل حقا ان تجرب واحدة او أكثر من هذه المعارك، وهذا خيارها وربما حقها، لكننا لسنا ملزمين معها بأي اتفاق ولا حتى توافق، ولا نريد مثله.

الإنذار الوطني الشديد اللهجة، يتلخص بالتزامنا مع أنفسنا، فمن يبيع بلاده ونفسه في مثل هذا الظرف، لن يتبقى له شيء يبيعه، او يستتر به، وبغض النظر عن نتائج او مقدمات او مجريات هذه الحرب «المستحقة» بالنسبة لأطرافها كلهم، فنحن يجب ان نلتزم بل قل نتعوّد، ونتدرب، ونتعلم، ان نلتزم ببلدنا، وأن نتخلى عن إيثار الآخرين عن انفسنا، ونستبسل بالدفاع عن اوطان غير وطننا، فهي ليست قضايانا، ولدينا ما يكفي من القضايا الوطنية والمحلية التي تستحق اهتمامنا، وليس من بينها حروب ولا فوضى ولا فقدان أمن، بل كلها قضايا تتعلق بالمستقبل، الذي يزداد غموضا وقتامة مع مثل هذه الصراعات من حولنا.

لم لم أسمع الصافرات أمس، ولم أتابع اخبار هذه الحرب، ولم أصغ لصفارات الإنذار كما يصغي لها كثيرون، وإنني بالكاد أتذكر ان ثمة حرباً تحدث، إلا ما تعلق باختراق أجوائنا، وصدى هذا الاختراق واختلاف الناس حوله، والطريق الأقصر والأكثر وعيا وحكمة ووطنية، هو رفض هذا الاختراق، فالسماء فسيحة، ونحن لسنا طرفا في حروب أو صراعات.. مع التزامنا بالطبع بدولتنا واحترامها لاتفاقياتها الخارجية أيا كانت..