د. محمد الهواوشة يكتب:
منذ سنوات نسمع العبارة نفسها: الأردن محدود الموارد.
تحولت هذه الجملة إلى مبرر جاهز لكل عجز، ولكل ضريبة جديدة، ولكل قرار رفع أسعار. لكن عندما نضع الأرقام أمامنا، يتضح أن المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في طريقة إدارتها.
تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024 إلى أن 76 بالمئة من الأردنيين يقل دخلهم عن 500 دينار شهريا. ووفق تقديرات اقتصادية في مطلع عام 2026، فإن الأسرة التي يقل دخلها عن 800 دينار شهريا تعتبر تحت خط الفقر أو قريبة جدا منه إذا احتسبنا كلف السكن والطاقة والغذاء والتعليم والصحة والنقل.
أي أننا لا نتحدث عن شريحة محدودة، بل عن غالبية تعيش تحت ضغط اقتصادي حقيقي. الفقر لم يعد رقما في تقرير، بل واقع يومي. موظف يعمل أكثر من وظيفة، أسرة تؤجل العلاج، شاب يؤخر زواجه، ومتقاعد يخشى كل قرار تسعير جديد.
وإذا كان دخل 800 دينار لا يكفي لحياة مستقرة، فكيف الحال بمن يتقاضى الحد الأدنى للأجور البالغ 290 دينار شهريا
كيف يمكن لعامل أن يدفع إيجار منزل، وفواتير كهرباء وماء، ومواصلات، وطعام، ودواء بهذا المبلغ
290 دينار لا تكفي إيجار شقة في كثير من المناطق
290 دينار لا تكفي كلفة معيشة فرد واحد طوال شهر
فكيف بأسرة كاملة
عندما يكون الحد الأدنى للأجور أقل بكثير من الحد الأدنى للعيش الكريم، فنحن أمام خلل هيكلي واضح. العامل يعمل شهرا كاملا، ومع ذلك يبقى عاجزا عن تأمين الاستقرار. هذه ليست مشكلة أفراد، بل مشكلة سياسات.
والسؤال الصريح: أين تذهب الموارد
الأردن يمتلك الفوسفات والبوتاس والصخر الزيتي وثروات البحر الميت ومصادر طاقة شمسية ورياح من الأفضل في المنطقة. يمتلك ملايين الدونمات القابلة للاستصلاح الزراعي. وقطاع السياحة يدر مليارات سنويا ويشكل رافعة اقتصادية مهمة. فكيف يبقى الخطاب الرسمي يكرر أن الأردن محدود الموارد
لننظر إلى المحروقات. السعر الذي يدفعه المواطن لا يرتبط فقط بسعر النفط عالميا، بل بسلسلة من الضرائب والرسوم. الفروقات تحقق للخزينة مليارات سنويا. السؤال الطبيعي: أين تذهب هذه المليارات
إذا كانت لسد عجز الموازنة فنحن نعترف أن السياسة المالية تعتمد على جيب المواطن. وإذا كانت لنفقات جارية فنحن ندور في حلقة مفرغة. وإذا كانت للاستثمار فأين أثرها في خفض الدين أو خلق فرص عمل حقيقية
المحروقات تدخل في كلفة كل شيء. ارتفاعها يعني ارتفاع النقل والغذاء والصناعة والخدمات. والنتيجة تضخم يأكل الدخل المحدود.
أما أموال الضمان الاجتماعي فهي مدخرات الناس. هي تعب سنوات. يجب أن تدار باستثمار طويل المدى وشفافية كاملة ومساءلة واضحة. الضمان ليس خزينة طوارئ. هو صمام أمان اجتماعي. وأي خلل في إدارته يهدد ثقة الناس بمستقبلهم.
ولا ننسى أن الارتهان المستمر للقروض ليس خطة تنمية. الاقتصاد الذي يعتمد على الضرائب غير المباشرة ويضغط على الطبقة العاملة دون أن يبني قاعدة إنتاج حقيقية، اقتصاد يضعف نفسه بنفسه.
الخلل ليس في الأرض
الخلل ليس في الموارد
الخلل في غياب رؤية اقتصادية وطنية إنتاجية
الخلل في تغليب التفكير الجبائي على التفكير الاستثماري
الخلل في ضعف الشفافية والمحاسبة
الأردن ليس فقير بالموارد
لكن المواطن يزداد فقرا
والسؤال الذي يجب أن يطرح بلا مواربة:
هل المشكلة في قلة الإمكانات ؟
أم في طريقة إدارتها وتحديد الأولويات.
-
-
-
-
-
الوفاء والبيعة… سياسة الثبات في زمن الاضطراب2026-02-07
