ابدع الرئيس؟
د. ضيف الله الحديثات
في لحظة سياسية دقيقة، جاءت اطلالة دولة رئيس الوزراء جعفر حسان على شاشة التلفزيون الاردني لتعكس نموذجا مختلفا في الخطاب والممارسة، بعيدا عن الانفعال، وقريبا من منطق الدولة، حديث الرئيس كان هادئا وعميقا في الوقت ذاته، وحمل ملامح رجل يدرك ثقل المسؤولية، ويتعامل مع موقعه بوصفه موقعا وطنيا جامعا.
وما ميّز هذا الظهور ليس فقط ما قيل، بل كيف قيل؛ لغة مدروسة، وخطاب يوازن بين الواقعية والطموح، ويؤسس لفكرة ان الادارة الرشيدة لا تقوم على الشعارات، بل على وضوح الرؤية والانحياز للمصلحة العامة.
بدا الرئيس مدركا لتعقيدات المشهدين الاقتصادي والاجتماعي، وربط بوضوح بين الاستقرار السياسي ومتطلبات الاصلاح، فرؤية حسان الاقتصادية لم تأت منفصلة عن السياق الوطني، بل انطلقت من فهم عميق لمصالح الدولة الاستراتيجية، وضرورة تحصين الاردن في محيط اقليمي لم يعرف الاستقرار منذ عقود.
حديثه حمل اشارات واضحة الى ان الاصلاح ليس ترفا، وان حماية المجتمع لا تنفصل عن بناء اقتصاد قادر على الصمود والنمو في آن واحد.
اما على صعيد علاقته مع الناس، فهو يتمتع بحالة قبول لافتة، وهي حالة نادرة في الحياة السياسية، على الاقل خلال ربع قرن مضى. فالرجل يمتلك قدرة على التواصل تجعلك تحبه، بعيدا عن الاستفزاز او الاستعلاء. كما ان حضوره، سواء في الاعلام او في الميدان، عزز هذه الصورة، وقدم نموذجا لمسؤول يعمل لخدمة الناس لا من فوقهم.
الرئيس الذي يؤمن بالفعل، كثف زياراته الميدانية، ودون الملاحظات، وسأل عنها الوزراء والمدراء. كما ان التوسع المدروس في بناء المدارس، وتطوير قطاع النقل، وتقديم الاعفاءات، وتوسيع مظلة التأمين الصحي ضد السرطان لتشمل اكثر من اربعة ملايين مواطن، تعكس جميعها توجها تنفيذيا لا يكتفي بالتصريحات.
وتاكيده على ان عام 2026 سيكون عام الانجاز، من خلال مشاريع بقيمة 11 مليار دينار، وربطها بتوفير فرص عمل للشباب، يشير الى برنامج عمل يسعى للانتقال من التخطيط الى الفعل.
ويحسب للرئيس انه تجنب خطاب تحميل المسؤوليات، ولم ينخرط في سردية لوم الحكومات السابقة على تراكم الدين العام، بل ركز على كيفية الادارة المستقبلية، وهو ما يعكس فهما ناضجا لمعنى المسؤولية السياسية، وادراكا بان معالجة الازمات لا تكون بتبادل الاتهامات، بل بصناعة الحلول.
نعم، اقولها جازما: ان جعفر حسان نموذج لرئيس حكومة يفهم ما يدور حوله جيدا، ويقرأ المشهد بعين الدولة لا بعين اللحظة، ويمتلك خطابا متزنا، ورؤية اصلاحية، وحضورا مقبولا، وهي عناصر تجعل من تجربته محطة تستحق التوقف عندها، لا بوصفها حالة عابرة، بل كفرصة لاعادة بناء الثقة بين السياسة والمجتمع، في زمن تشتد فيه الحاجة الى الحكمة والعقلانية.
-
-
-
أين تقف البلاد أمام سيناريو حلّ البرلمان؟2025-11-27 -
-
