شهادات من غزة .. الأردن يعيد الحياة لــ 576 غزيا أقعدتهم إسرائيل عن الحركة

 يُراجع أبناء قطاع غزة المبتورة أطرافهم المستشفى الميداني الأردني وهم عاجزون عن الوقوف بسبب إصابتهم البليغة، لكنهم يغادرونه وهم يقفون على قدميهم بعد أن تم تركيب طرف صناعي لهم من قبل الخدمات الطبية الملكية، بإشراف كوادر مؤهلة ومدربة تمتلك خبرة تمتد لنحو 45 عاماً في علوم التأهيل، حيث عادت الحياة إلى 576 شخصاً بُترت أطرافهم من الحرب.

عيسى 34 عاماً من العمر جاء محمولاً وعاد يسير على قدميه إلى النصيرات:

عيسى صبح شاب بُترت قدمه وهو في سن 34 من وسط قطاع غزة، سمع فجأة أن هناك أطرافاً صناعية يقدمها الأردن مجاناً، فطلب من أهله أن يحملوه إلى المستشفى الأردني، وخلال ساعة تم تركيب الطرف الصناعي وبدأ بتلقي العلاج الطبيعي، ويقول لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إنه عندما رأى الدمار والإبادة في غزة لم يتفاءل بالعودة إلى المشي والوقوف، لكن الأمل جاء من أفراد القوات المسلحة الأردنية.

"يالله يا معلم بدك ترجع على النصيرات مشي"، يقول المرافق لعيسى وهو يجري عمليات المشي التدريبي على الطرف الصناعي والذي تم تركيبه في القدم اليسرى تحت الركبة، وهي إشارة إلى أنه جاء غير قادر على السير وعاد وهو يسير على قدمه التي بُترت بسبب آلة الحرب الإسرائيلية المدمرة.

تتبعت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) قصة مبتوري الأطراف في قطاع غزة والتي تغيب الأرقام الدقيقة لعددهم بسبب الدمار الذي يلحق بكل شيء في القطاع، لكن المختصين يقدرونها بنحو 14 ألف إصابة حتى الآن وتحتاج إلى علاج فوري، حيث تبلغ تكلفة الطرف الاصطناعي 1500 دينار وقد يصل إلى ألفين، وهنا يقوم الأردن بمهمة دقيقة في تركيب الأطراف الصناعية حيث تتوافر في غزة فرق متخصصة بالتركيب والعلاج الطبيعي ورئيس للفريق يقوم بمتابعة الحالات عبر كل وسائل الاتصال وبشكل يومي.

ويقول عيسى صبح وهو شاب من قطاع غزة، ويجسد نموذجاً حياً لمعاناة المدنيين تحت القصف الإسرائيلي، إن الأمل وُلد رغم الجراح، ولم يكن مستهدفاً مباشرة، لكن قصفاً طال منطقة مجاورة له أدى إلى إصابته البالغة، ما استدعى سلسلة من العمليات الجراحية انتهت ببتر ساقه من أسفل الركبة.

لم يتوقف عيسى عند حدود الإصابة، بل بدأ رحلة جديدة للبحث عن وسيلة تمكنه من استعادة حركته وحياته اليومية، وقال إنه توجه إلى المستشفى الميداني الأردني في غزة، والذي كان قد أطلق مبادرة تركيب أطراف صناعية لمبتوري الأطراف، ضمن جهود إنسانية حثيثة لدعم المتضررين من الحرب.

وبين أنه وصل المستشفى وحصل على الطرف الصناعي المناسب، وتم تأهيله بدنياً ونفسياً لاستخدامه، مضيفاً أنها لم تكن العملية مجرد تركيب قطعة ميكانيكية، بل كانت استعادة لكرامته، لحريته في الحركة، ولإحساسه بأن هناك من يشعر بألمه ويقف إلى جانبه.

قصة عيسى ليست فردية، بل تمثل مئات الحالات في غزة والتي استفادت من هذه المبادرة الأردنية، وهي مثال حي على أن الدعم الإنساني الحقيقي يُقاس بالأفعال لا بالأقوال، وبعد استعادته القدرة على الحركة من خلال الطرف الصناعي وجه رسالة مؤثرة للأردن قال فيها: "أتقدم بجزيل الشكر والعرفان إلى المملكة، وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني، على هذه المبادرة الإنسانية النبيلة، والشكر موصول للمستشفى الأردني في غزة، طاقماً طبياً وتمريضياً، على جهودهم الكبيرة التي أعادت لي الأمل بالحياة من جديد".

وأضاف أن هذا الدعم ليس مجرد علاج جسدي، بل هو رسالة تضامن حقيقية من أشقاء يشعرون بآلامنا، يقفون إلى جانبنا في أصعب الظروف، وشكراً لأنكم لم تنسوا غزة ولأنكم كنتم نوراً في لحظة عتمة".

تركيب الأطراف الصناعية لا يُعوّض خسارة أبناء غزة لكن الأردن يقول لهم لستم وحدكم:

الصحفي الفلسطيني والناشط في قطاع غزة الدكتور سعيد محمد أبو رحمه رافق (بترا) للوصول إلى حالات استفادت من تركيب أطراف صناعية وقال، إن هذه المبادرة إنسانية استثنائية حيث يعيش قطاع غزة كارثة صحية مستمرة بسبب العدوان المتكرر والحصار، وفقدان الأطراف نتيجة القصف أو الإصابات المباشرة ترك آلاف الجرحى، خصوصاً من فئة الشباب والأطفال، بلا حلول طبية فاعلة داخل القطاع.

وأضاف أن تركيب الأطراف الصناعية يمنحهم الأمل بإعادة الاندماج في الحياة اليومية، سواء في الحركة أو العمل أو الدراسة، ما ينعكس على صحتهم النفسية والاجتماعية.

ويُظهر تحرك الأردن قدرة كبيرة على التنظيم والتجهيز، سواء من حيث نقل الجرحى للعلاج أو إرسال طواقم طبية متخصصة إلى القطاع أو استقبال المصابين في عمان.

وبين أن توفير أطراف صناعية يتطلب تجهيزات تقنية دقيقة وتدريباً عال المستوى، وهو ما يؤكد احترافية الطواقم الأردنية وخبرتها التراكمية في العمل الطبي الإنساني والتي تمتد لنحو نصف قرن في الخدمات الطبية الملكية الأردنية.

ولفت إلى أن المبادرة لا تنفصل عن الدور السياسي للأردن كداعم دائم للحق الفلسطيني، وهذه الخطوة ترسل رسالة واضحة بأن دعم غزة لا يقتصر على الخطابات، بل يتم عبر إجراءات فعلية، ما يعزز صورة الأردن إقليمياً ودولياً كدولة ملتزمة بالقيم والواجبات الإنسانية.

وبين أن تركيب طرف صناعي لا يعوض الخسارة بالكامل، لكنه يرسل رسالة للناجي: "أنت لست وحدك"، وهو ما يحول المعاناة إلى قوة، ويمنح الجريح دفعة معنوية تعيده للحياة والاعتماد على النفس.

وبين أن أهل القطاع يتمنون أن يتم توسيع المبادرة لتشمل برامج تأهيل نفسي وجسدي مستدام، وإنشاء مراكز دائمة داخل غزة بإشراف أردني للتأهيل وصناعة الأطراف، وتدريب كوادر فلسطينية محلية على التعامل مع هذه الحالات، ما يخفف العبء عن الأردن ويعزز الاستقلال الطبي في غزة.

وبين أن مبادرة تركيب الأطراف الصناعية ليست فقط علاجاً جسدياً، بل هي عمل وطني وإنساني متكامل يعكس عمق العلاقة بين الأردن وفلسطين، ويجسد روح التضامن الفعلي في وقت تعاني فيه غزة من صمت الكثيرين.

الأردن مستعد للطواف على أهل غزة وتركيب أطراف صناعية لمن بُترت أطرافه:

في الخدمات الطبية الملكية الأردنية ينهي مستشار المفاصل والتأهيل ورئيس اختصاص تأهيل أمراض البتور والأطراف الاصطناعية في الخدمات الطبية الملكية العقيد الدكتور محمد البخيت جلسة علاج بتقنية الاتصال المرئي لمصاب من قطاع غزة، ويقول إن شعور إعادة إنسان إلى المشي والوقوف في وضع كارثي ودمار، لا يستطيع أحد وصفه، وهذا جهد أردني كبير لا يُقدّر بثمن.

وأضاف في حديثه لـ(بترا) أن الأردن، حتى في حال زوال العوائق وتوقف الحرب، قادر على إنشاء وحدة طبية متخصصة متنقلة تجوب قطاع غزة، لتقديم الرعاية للمصابين ممن فقدوا أطرافهم، وتعيد الأمل إلى حياتهم، مشيراً إلى أن الخدمات الطبية الملكية تمتلك خبرة واسعة في هذا المجال تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي.

وبين أن جلالة الملك عبدالله الثاني وجّه باستخدام أحدث التقنيات التي تتناسب مع الظروف في القطاع لتركيب أطراف صناعية للمبتورة أطرافهم، خصوصاً وأن الظروف تحتاج إلى تقديم طرف صناعي لا يثقل المصابين هناك بالذهاب والعودة مراراً وتكراراً، لكن المهم أن يتم التركيب بدقة وإجراء علاج طبيعي حتى يتمكن من السير، ومع ذلك تستمر المتابعة حتى استقرار الأوضاع الصحية للمصاب.

وبين أن الأطراف الاصطناعية ومواد تصنيعها متوافرة في الأردن، حيث إنه قبل أيام تم إرسال 300 طرف إلى غزة إضافة إلى فرق مكونة من فني تركيب أطراف صناعية ومتخصص في العلاج الطبيعي، كما أن عمليات التركيب تتم بمتابعة مباشرة مع رئيس الفريق عبر الاتصال المرئي عن بعد، وإن استدعت الحاجة وتهيأت الظروف للوصول إليهم في الميدان فلن نتأخر عن إغاثة أبناء غزة والوقوف معهم.

ولفت إلى أن كثيرين لا يعلمون عن وجود الأطراف الصناعية في المستشفى الميداني بقطاع غزة، وأحياناً يكون أحد مبتوري الأطراف يراجع المستشفى الميداني لصرف علاج أو مرافقة أحد، فيشاهده الطاقم الطبي ويهرع إليه ويأخذه إلى المركز لتركيب طرف له، ويغادر وهو يسير على قدميه، وهذا يأخذنا إلى أن الظروف الأمنية تجعل الوصول إليهم صعباً للغاية.

وأضاف أن مبادرة استعادة الأمل بحاجة اليوم إلى التبرع لجمع وتصنيع الأطراف الصناعية، حيث إن توقف الحرب في أي وقت سيمكن من الوصول إلى كل الحالات المصابة ببتر في أطرافها، وستشتد الحاجة والطلب على هذه الأطراف، وبالتالي فإن التبرع اليوم مهم للغد في حياة أهل القطاع.

وبين أن تركيب الطرف الصناعي يحتاج من ساعة إلى ساعتين، وتكون جاهزة من قبل مركز التأهيل الملكي في الخدمات الطبية الملكية، وهناك مركز متخصص في المركز، ويتم إرسال وحدة متخصصة متنقلة إلى القطاع تضم 4 أفراد، اثنان متخصصان بتركيب الطرف، وآخران متخصصان بالعلاج الطبيعي ومتابعة الحالة بعد تركيب الطرف.

وأشار إلى أن صلاحية الأطراف الصناعية تمتد من 6 أشهر إلى سنة، ومن الممكن أن تمكث أطول حسب ضغط العمل عليها نتيجة الظروف في القطاع وانهيار البنية التحتية والاضطرار للسير على الأقدام لمسافات طويلة، فإن صلاحية الطرف الصناعي قد تصل إلى 6 أشهر.

الخدمات الطبية خبرة نصف قرن من الخبرة في زراعة الأطراف الصناعية:

أُنشئ مركز التأهيل الملكي في الخدمات الطبية الملكية بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي عام 1983، ويتألف من 5 طوابق ويضم 150 سريراً، وطيلة هذه السنوات استطاع أن يمتلك خبرة فنية ومهنية في هذا المجال ما يجعل مساعدة الأشقاء في غزة أمراً سهلاً ودقيقاً إذا ما أُتيحت الظروف.

الخير في كل مكان:

الأردن أنشأ مبادرة استعادة الأمل لدعم مبتوري الأطراف في القطاع في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها، حيث يعاني العديد من الأشخاص من فقدان أطرافهم نتيجة الصراع المستمر، ويستحقون فرصة جديدة للحياة والأمل في استعادة حركتهم وقدرتهم على العمل والمساهمة في مجتمعهم من خلال المبادرة التي تهدف إلى توفير الأطراف الصناعية والرعاية الطبية الضرورية لضحايا فقدان الأطراف.