تراثيات وطن .. لوحات تحيكها أنامل الخيال وألوان الأصالة

وسف العدينات وإيمان شرفات: مدرستان تلتقيان على بساط الإبداع

عمون - إيمان أبو قاعود - في قلب المفرق، وتحديداً في قرية صبحا والدفيانة، اجتمع عبق التراث مع حداثة الإبداع في معرض فني حمل عنوان "تراثيات وطن"، ضم مئة لوحة جسدت روح المكان وحكاياته، ووقعها الفنانان التشكليان يوسف العدينات وإيمان شرفات، كل بأسلوبه ومواده الخاصة، ليؤسسا معاً مدرستين بصريتين تتجاوزان الألوان التقليدية نحو خامات مبتكرة.

الفنان التشكيلي يوسف العدينات، الذي يعد رائد الرسم برذاذ الدخان في الشرق الأوسط، اختار البخور كحبره، وريش الحمام وأدواته الخاصة كفرشاته، ليحول الدخان إلى لوحات نابضة بالخيال والرمزية. بدأ شغفه منذ الطفولة، حين كان يجمع أثر "السخام" المتصاعد من الصاج بعد أن تفرغ الجدات من خبزهن، ليكتشف جماليات المادة، ويطور مع الزمن خليطاً خاصاً به من ست مواد أساسية مع السيليكون وأدوات دقيقة من الخشب أو السلك، ليمنح كل لوحة هوية ورمزية متفردة.

بالنسبة له، الرسم برذاذ الدخان ليس مجرد تقنية، بل تمرين على الصبر والسكينة، وقد تستغرق اللوحة الواحدة منه ساعات أو أشهر، وفقاً لتعقيد فكرتها وعمق رسالتها. أسس العدينات مدرسته الفنية المستوحاة من المدرسة السيريانية، حيث يترجم الخيال إلى واقع، مع حفاظه على الطابع التراثي والبيئي، مؤكداً أن تقنيته لا تقل صداقة للبيئة عن الرسم بالمواد التقليدية. خلال عامي 2024 و2025، تجاوزت مبيعاته 950 لوحة، وما زال يطمح إلى أن يرفع مدرسته الفنية إلى فضاء العالمية، رافعاً شعاره اللافت "أنا الأسود الفاتح، وأنا الأبيض القانت، وأنا الرمادي المحايد... أنا الفراغ بلا ملامح."

أماالفنانة التشكيلية إيمان شرفات، فقصتها الفنية تنبع من عشق الطفولة للرسم، ونمت مع دراستها للتربية الفنية في الجامعة الهاشمية، لتجد لنفسها أسلوباً متفرداً يجمع القهوة، والهايبكس (مبيض الملابس)، والفحم، والطباشير في لوحات تحمل بصمة ابنة البادية الأردنية.

القهوة بالنسبة لها ليست مجرد مشروب، بل خامة حية تمنح لوحاتها تدرجات دافئة بين الفاتح والغامق، فيما يضفي "الهايبكس" على الأقمشة مساحات لونية غير مألوفة، يتحول فيها الأخضر إلى أبيض، وتتفتح ألوان الزهر على درجات متباينة. ومع كل تجربة، تكتشف إمكانات جديدة في دمج هذه المواد، لتنتج أعمالاً تحاكي تراث البادية برموزها الأصيلة من الرحى، إلى دلال القهوة، إلى المرأة الملثمة.

ترى شرفات أن فنها ليس فقط تجسيداً للجمال، بل رسالة أيضاً تؤكد أن المرأة البدوية قادرة على الحضور في المحافل الفنية الدولية بأسلوبها الخاص، دون أن تفقد ارتباطها بجذورها.

في هذا المعرض، لم تكن اللوحات مجرد أعمال معلقة على الجدران، بل كانت نوافذ على عالمين متفردين، جمعهما حب الوطن والتراث، وإن اختلفت أدواتهما وطرقهما. يوسف العدينات بدخان البخور، وإيمان شرفات بعبق القهوة، خطا معاً فصولاً جديدة في حكاية الفن الأردني، حيث يلتقي الأصالة بالابتكار في لوحة واحدة.