من التوجيهي إلى مهارات المستقبل: الأردن يعيد رسم خريطة التعليم

من التوجيهي إلى مهارات المستقبل: الأردن يعيد رسم خريطة التعليم

ليس من الإنصاف اختزال الإصلاح التعليمي في الأردن بامتحان «التوجيهي» وحده؛ فالمشهد أوسع بكثير، ويتعلق ببناء منظومة وطنية جديدة للتعليم والمهارات والجودة وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.

ومن هنا، فإن تصريح وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الدكتور عزمي محافظة بأن «الهجوم بحقي أمر صحي، لأن هناك تغييراً وهناك مقاومة للتغيير ورأياً آخر قد يعارضه بعض الناس»، يستحق أن يُقرأ باعتباره تعبيراً عن طبيعة المرحلة التي تمر بها منظومة التعليم الأردنية.

فالدكتور عزمي محافظة لا يتعامل مع ملف التوجيهي بمعزل عن بقية المنظومة؛ إذ طرح خطة استراتيجية تشمل تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، والتعليم الأكاديمي والمهني، والتحول الرقمي، وتحسين البيئة المدرسية، ورفع جودة المخرجات. كما أعلنت الوزارة عن حزمة مشاريع نوعية تتجاوز 500 مشروع خلال خمسة أعوام لتحسين البنية التعليمية.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة، ألم يطالب الأردنيون منذ سنوات بإصلاح التوجيهي؟ وألم تكن هناك مطالبات مستمرة بتحسين مخرجات التعليم وربطها بسوق العمل؟ فإذا كان المجتمع قد طالب بالتغيير، فمن الطبيعي أن يصاحب التغيير نقاش واعتراض ومراجعة.

وقد جاء الاهتمام الملكي واهتمام سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بالتعليم التقني والمهني والمهارات ليؤكد أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان وقدرته على امتلاك مهارات المستقبل. ويأتي هذا التوجه منسجماً مع تطوير التعليم نحو نماذج عملية ترتبط بالتشغيل والقطاعات الإنتاجية.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي تقوم به الوزارة بهيكليتها الجديدة ؛ فهو لا يقف عند حدود تعديل امتحان، وإنما يقود، في إطار مسؤوليات الوزارة، عملية أوسع لإعادة توجيه التعليم نحو المهارة والكفاءة ومخرجات التعلم. وقد أكد أن الشراكة مع القطاع الخاص والحوار معه يمثلان أساساً لإصلاح منظومة التدريب وربطها باحتياجات الاقتصاد.

كما أن دور هيئة الاعتماد وضمان الجودة أصبح محورياً في هذه المرحلة، من خلال تطوير منظومة الاعتماد، والإطار الوطني للمؤهلات، وتسكين المؤهلات، وضمان جودة التعليم والتدريب ومواءمة مخرجاتهما مع سوق العمل.

والأهم هو الانتقال من مفهوم الشهادة وحدها إلى مفهوم المهارة والكفاءة؛ ومن التعليم التقليدي إلى التعليم بالمشاريع، والتعلم المستمر، والشهادات المصغرة التي يمكن أن تمنح الطالب أو الخريج مهارات متخصصة يحتاجها سوق العمل.

لذلك، فإن دعم مسار الوزارة والهيئة لا يعني أن كل قرار غير قابل للنقد، بل يعني منح الإصلاح فرصة عادلة، ومراقبة نتائجه، ونقده بموضوعية، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح. لإن القضية ليست الدفاع عن وزير أو مهاجمته؛ القضية هي مستقبل التعليم الأردني.

نعم لإصلاح التوجيهي، نعم لتحسين المخرجات، نعم للتعليم المهني والتقني، نعم للإطار الوطني للمؤهلات والتسكين، نعم للتعليم بالمشاريع والشهادات المصغرة، ونعم لربط التعليم بسوق العمل.

وفي هذه المرحلة، يحتاج الإصلاح إلى جرأة الدكتور عزمي محافظة، ودعم مؤسسات الدولة، وتوجيهات القيادة، ونقد مجتمعي مسؤول، ووقت كافٍ حتى تظهر النتائج.

فالتغيير الحقيقي لا يكون دائماً مريحاً، لكن الجمود قد يكون أكثر كلفة من التغيير.