معضلة النمو التي لا يشعر بها المواطن
تسيطر على المشهد الاقتصادي العالمي حالة من التناقض الصارخ، حيث تظهر البيانات الرسمية نموا مستمرا في الانتاج وتطورا متسارعا في التكنولوجيا، بينما يواجه ملايين الافراد تراجعا في مستوى معيشتهم اليومي. كشفت المعطيات الميدانية ان الازدهار المزعوم في التقارير لا يترجم الى واقع ملموس، فبينما تتضخم الثروات الخاصة، يجد المواطن العادي نفسه محاصرا بارتفاع جنوني في اسعار المساكن وتكاليف الطاقة والغذاء، مما يجعل الحصول على حياة كريمة يتطلب جهدا مضاعفا لا يتناسب مع الدخل المتاح.
قصور الناتج المحلي عن قياس الرفاه
واكد خبراء الاقتصاد ان الناتج المحلي الاجمالي لم يعد المقياس الادق لرفاهية الشعوب، مبينا ان هذا المؤشر يكتفي بحساب القيمة الاجمالية للسلع والخدمات دون النظر الى كيفية توزيع هذه الثمار او قدرة الموظف على تلبية احتياجاته الاساسية. واظهرت الدراسات في الولايات المتحدة ان دخل الاسرة، رغم وصوله لمستويات قياسية، لم يحقق نموا حقيقيا يذكر مقارنة بفترات سابقة، مما يعكس ان الطريق نحو حياة افضل اصبح اكثر صعوبة وتعقيدا امام الطبقة المتوسطة.
تآكل القدرة الشرائية في اوروبا
واضافت المؤشرات الاوروبية ابعادا اخرى لهذه الازمة، موضحة ان ارتفاع اسعار المنازل بنسب تجاوزت 50 بالمئة في بعض الدول خلال سنوات قليلة، قد استنزف جزءا كبيرا من دخل الاسر. واشار محللون الى ان تراجع الاجور الحقيقية في اقتصادات كبرى مثل فرنسا يثبت ان النمو الاقتصادي اصبح مجرد رقم على الورق، حيث لا يجد المواطن انعكاسا لهذا النمو في فاتورة الكهرباء او تكلفة التعليم او قدرته على الادخار.
فخ التضخم والاجور الحقيقية
وشددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على ان تحسن الاجور الحقيقية لا يزال دون المستوى المطلوب لتعويض موجات التضخم التي ضربت العالم. وبينت المعطيات ان تباطؤ معدل التضخم لا يعني تراجع الاسعار الى مستوياتها السابقة، بل يعني فقط ان وتيرة الغلاء اصبحت ابطأ، وهو ما يخلق فجوة في الفهم بين الاقتصاديين الذين يرون تحسنا في المؤشرات والمواطنين الذين يكتوون بنار الاسعار المرتفعة التي استقرت عند مستويات قياسية.
النموذج اللبناني ومخاطر الانهيار الاجتماعي
وكشفت الازمات في دول مثل لبنان عن قسوة هذه المفارقة، حيث تحول النمو الاقتصادي الى انكماش حاد نتيجة الصراعات وتداعياتها على البنية التحتية والقطاع المصرفي. واوضح تقرير لصندوق النقد الدولي ان استمرار التضخم في خانة العشرات يلتهم القدرة الشرائية للمواطنين، مما يجعل السؤال حول كمية النمو اقل اهمية من السؤال الاكثر الحاحا وهو من يستفيد من هذا النمو وكيف يواجه الفرد متطلبات الحياة اليومية في ظل هذا التآكل المالي.
نحو اعادة تعريف الازدهار
واكدت التحليلات ان العالم بات في حاجة ماسة الى طرق جديدة لقياس الامان الاقتصادي بعيدا عن لغة الارقام الجافة. واشار مراقبون الى ان التركيز على الناتج المحلي وحده اصبح مضللا، مطالبين بضرورة مراقبة قدرة الطبقة المتوسطة على العيش، فالنمو الذي لا يلامس حياة الناس ولا يحميهم من تقلبات الاسعار ولا يمنحهم شعورا بالامان هو نمو هش يهدد استقرار المجتمعات ويخلق ازمة ثقة عميقة في المنظومة الاقتصادية والسياسية برمتها.





