فرنسا في مواجهة قنبلة الديون: الاقتصاد بين مطرقة العجز وسندان الاضطرابات السياسية

فرنسا في مواجهة قنبلة الديون: الاقتصاد بين مطرقة العجز وسندان الاضطرابات السياسية

ازمة مالية خانقة تضع فرنسا امام منعطف تاريخي

تجد فرنسا نفسها اليوم في قلب واحدة من اعقد الازمات المالية التي واجهتها منذ عقود طويلة، حيث تحولت سياسات الانفاق الحكومي السخي التي استمرت لسنوات الى عبء ثقيل يهدد استقرار المالية العامة. واظهرت المؤشرات الاقتصادية تزايد مخاوف الاسواق من تراجع شهية المستثمرين تجاه السندات الفرنسية، في وقت ترتفع فيه تكاليف الاقتراض بشكل مقلق وسط عجز سياسي عن التوافق على اجراءات تقشفية حاسمة.

ارتفاع تكاليف خدمة الدين وضغوط الاسواق

واكدت البيانات الاخيرة ان عائد السندات الحكومية لاجل عشر سنوات يقترب من حاجز الخمسة في المئة، وهو مستوى قياسي لم تشهده البلاد منذ سنوات طويلة. وبينت التقارير ان الديون الفرنسية باتت تقترب من حاجز الاربعة تريليونات دولار، ما يعادل نحو 119 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، مما يضع الحكومة في مأزق حقيقي لتمويل الاستثمارات والخدمات الاجتماعية في ظل توقعات بارتفاع تكلفة خدمة الدين الى مستويات غير مسبوقة بحلول نهاية العقد.

من سياسة مهما بلغت التكلفة الى فاتورة باهظة

واوضحت مسارات الاقتصاد ان جذور المشكلة تعود الى عقود من غياب الموازنات المتوازنة، حيث اعتمدت الحكومات المتعاقبة على الانفاق العام كاداة لتحقيق التوازن الاجتماعي. واضاف الخبراء ان شعار مهما بلغت التكلفة الذي ساد خلال ازمات كوفيد وازمة الطاقة تحول الى التزامات مالية مستمرة يصعب التخلص منها، مما خلق فجوة كبيرة في الموازنة اكتشفتها وزارة المالية في وقت متأخر، لتجد الدولة نفسها امام عجز يتجاوز التقديرات الرسمية بكثير.

الجمود السياسي يعطل مسار الاصلاح

واشار المراقبون الى ان الانقسام الحاد داخل الجمعية الوطنية بين اليمين واليسار والوسط جعل من تمرير اي اصلاحات مالية عملية شبه مستحيلة. وشددت التحليلات على ان عامل الانتخابات المقبلة دفع القوى السياسية لتجنب اتخاذ قرارات صعبة، مما ادى الى حالة من الجمود ادخلت الموازنة الفرنسية في نفق مفاوضات سياسية لا تنتهي، وسط تحذيرات من ان استمرار هذا المسار قد يجر الاقتصاد نحو تاثير كرة الثلج الخطير.

اضطرابات اجتماعية وتحديات المستقبل

وتابعت فرنسا خريف العام الحالي على وقع احتجاجات شعبية واسعة واضرابات في القطاع العام، حيث تتقاطع الازمة الاقتصادية مع الغضب الاجتماعي المتصاعد بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة. واكد خبراء الاقتصاد ان فرنسا تقف اليوم امام اختبار حاسم لقدرتها على اعادة تعريف العلاقة بين دولة الرفاه والقدرة على تمويلها، خاصة مع تزايد المطالب الشعبية مقابل ضغوط الاسواق التي تطالب بفرض انضباط مالي صارم قبل ان تتفاقم الازمة لتصبح تهديدا وجوديا لاستقرار منطقة اليورو.