يعني نفس الأغنية اللي كنا نستناها على الراديو عشان نسجلها على شريط، ونصلي المذيع ما يحكي فوق آخرها، اليوم موجودة فورًا على تلفوننا.
ومع ذلك بنقضي عشر دقايق ندور شو نسمع.
زمان كان عندك 12 أغنية. وكنت مبسوط. اليوم عندك تقريبًا كل الموسيقى اللي سجلها الإنسان في التاريخ. وبتحكي: ما في إشي.
يمكن المشكلة ما كانت بقلة الخيارات.
وشفنا التلفزيون لما كان هو اللي يقرر شو بدك تحضر. إذا الفيلم الساعة تسعة، الفيلم الساعة تسعة. ما في Pause. ما في Replay. إذا رحت عالحمام، خسرت جزءًا من القصة للأبد.
ولهذا جيلنا عنده مثانة قوية وشخصية مسؤولة.
وبعدين، وإحنا مش منتبهين، صار العالم سريعًا بشكل مرعب. دخلنا حياتنا بدون موبايل. واليوم إذا نزلنا من البيت واكتشفنا إن الموبايل فوق، بنرجع. حتى لو وصلنا العقبة.
لأنه كيف رح نعيش؟ كيف رح نعرف الطريق؟ كيف رح ندفع؟ كيف رح نحكي مع الناس؟ والأهم: كيف رح نقعد دقيقة كاملة بدون ما نطلع على شيء؟
إحنا آخر جيل تقريبًا بعرف كيف كان شكل الملل. الملل الحقيقي. مش «زهقان، خليني أفتح TikTok». لا. زهقان… وبس.
تقعد على الكنباية. تطلع عالحيط. تقرأ ظهر علبة الشامبو. تعد البلاط. تفتح الثلاجة بدون سبب. تسكرها. وترجع بعد خمس دقايق تتأكد إذا صار فيها تحديث.
ومن هذا الفراغ كانت تطلع أشياء غريبة. أفكار. ألعاب. حكي. خيال. وأحيانًا… ولا إشي.
وكان عادي جدًا إنه ما يصير ولا إشي.
واليوم أولادنا إذا الإنترنت فصل ثلاث دقايق، بطلعوا علينا كأن الدولة انهارت. وإحنا بنضحك عليهم. مع إنه إحنا أسوأ منهم.
الولد على الأقل انولد هيك. إحنا عشنا بدون الإنترنت، وبعدين سلمناه حياتنا بإرادتنا.
بس الصدمة الحقيقية لمواليد الثمانينات مش التكنولوجيا. الصدمة هي إنك لسه من جواك حاسس حالك تقريبًا 27. لحد ما تقعد مع واحد عمره 22.
أول خمس دقايق بتحس إنكم من نفس الجيل. بعد عشر دقايق يستخدم كلمة ما بتعرفها. بعد ربع ساعة يحكيلك عن مغني مشهور جدًا ما سمعت باسمه.
وبعدين تيجي الضربة القاضية. يحكيلك: إنتوا زمان…
إنتوا؟ مين إنتوا؟ يا حبيبي أنا عندي Instagram.
وأحيانًا بتحاول تثبت إنك مواكب. بتستخدم كلمة شبابية. وهذا أسوأ قرار ممكن يتخذه شخص فوق الأربعين. لأن الشباب لما يستخدموها بتطلع طبيعية. إنت لما تستخدمها، بتصير زي مدير مدرسة عامل TikTok.
وقف. احترم تاريخك.
والجسم، للأسف، بلش ينسحب من الاتفاقية بدون ما يستشيرك.
زمان تنام على الأرض وتصير الصبح عادي. اليوم تنام على مخدة غلط، بتغيب عن العمل يومين. زمان إذا وجعك ظهرك، معناته وقعت. اليوم ممكن يوجعك ظهرك لأنك… نمت.
وهذا شيء مهين جدًا. حتى الإصابة بطلت تحتاج نشاطًا. ممكن تصحى مصاب.
شو صار معك؟
والله ما بعرف. كنت نايم بشراسة على ما يبدو.
بس رغم كل المزح، في شيء غريب وجميل بمواليد الثمانينات. إحنا مش بس كبرنا. العالم نفسه تبدّل قدامنا.
طفولتنا كانت Analog. شبابنا صار Digital. منتصف عمرنا دخل AI.
إحنا كتبنا رسائل على ورق، وبعثنا SMS، وعشنا MSN، وFacebook، واليوم قاعدين نحكي مع آلة بترد علينا كأنها إنسان. كل هذا في عمر واحد.
وهذا مش حنين للماضي. الماضي كان فيه أشياء سيئة كثير. وما بدي أرجع للـDial-up ولو أعطيتوني أرض في عبدون.
لكن يمكن عنا امتياز صغير. إحنا بنعرف إنه العالم مش لازم يكون بالشكل اللي هو عليه اليوم. لأننا شفناه بشكل آخر.
بنعرف إنه ممكن تقعد مع إنسان بدون ما يكون في تلفون على الطاولة. وممكن تضيع وما يصير شيء. وممكن ما يعرف الناس وينك ساعتين وتضل حي. وممكن تستنى. وممكن تمل. وممكن أغنية واحدة تكفيك أسبوعًا كاملًا.
ويمكن لهذا السبب العمر مش سيئ مثل ما كنا نتخيل. إنت مش بس صار عمرك 46. إنت حامل معك أكثر من نسخة من العالم. بتتذكر عالمًا اختفى. وعايش بالعالم الحالي. وغالبًا رح تشوف عالمًا بعد عشر سنين رح يكون أغرب من الاثنين.
بس خلينا نتفق على شغلة. إذا إنت من مواليد الثمانينات، لا تحكي عن حالك كبير.
إحنا مش كبار. إحنا بس… شباب إلنا فترة.
وإذا ابنك سألك يومًا: بابا، عنجد كان في وقت ما كان فيه إنترنت؟
لا تدخل بالتفاصيل. اطلع فيه بنظرة الشخص اللي شاف أشياء ما رح يفهمها، واحكيله: آه يا بابا… وكنا عايشين.