واقع النظام الصحي السوداني بين التدمير والترميم
يواجه القطاع الصحي في السودان مشهدا معقدا يجمع بين محاولات النهوض من تحت انقاض الحرب وبين استمرار المعاناة في المناطق الاكثر تضررا. بينما بدأت بعض المستشفيات المرجعية في العاصمة الخرطوم باستعادة نشاطها التدريجي مع عودة السكان وانحسار العمليات العسكرية، لا تزال ولايات دارفور وكردفان تعاني من شلل في الخدمات الطبية بسبب نقص التمويل وصعوبة الوصول الى المرافق الصحية. وتظهر بيانات منظمة الصحة العالمية ان نحو 37 بالمئة من المرافق الطبية خارج الخدمة، مما يضع ملايين السكان في مواجهة مباشرة مع نقص الادوية وارتفاع تكاليف العلاج.
مستشفيات العاصمة تستعيد عافيتها
واكد مدير مستشفى ام درمان التعليمي عبد المنعم علي القاسم، ان المستشفى استطاع تجاوز مراحل الدمار الواسع بفضل دعم دولي ومحلي مكنه من اعادة تشغيل قسم الحوادث ووحدات العناية المكثفة. واضاف ان تأمين مولدات كهربائية حديثة ومحطات انتاج الاكسجين ساهم في رفع كفاءة العمليات الجراحية اليومية لتصل الى مستويات قياسية مقارنة بفترة ما بعد اندلاع النزاع، مبينا ان استقرار التيار الكهربائي انعكس بشكل مباشر على سرعة الفحوصات المخبرية وتقليص فترات الانتظار للمرضى.
فجوة الخدمات بين المركز والاطراف
واوضح ان الصورة تبدو اكثر قتامة خارج حدود المستشفيات الكبرى، حيث لا تزال الاسر في مناطق النزوح تعاني من انعدام ابسط مقومات الرعاية الصحية. واظهرت شهادات ميدانية ان بعض المناطق لا تزال تعتمد كليا على العيادات المتنقلة التي تزور السكان على فترات متباعدة، مما يجعل الولادة تحت الاشجار او قطع مسافات طويلة للوصول الى اقرب مركز صحي واقعا يوميا لالاف الامهات والاطفال الذين يفتقرون الى ابسط خدمات التطعيم والتغذية.
جدلية الانهيار والتعافي
وبين وزير الصحة السوداني هيثم محمد ابراهيم ان وصف القطاع بالانهيار الكلي يعد تقييما غير دقيق، مشيرا الى ان الجهود المبذولة من قبل الدولة والمنظمات الوطنية بدأت تؤتي ثمارها في اعادة التأهيل. وشدد مديرو المستشفيات على ان التحدي الحقيقي يكمن في توفير التخصصات الدقيقة ودعم سلاسل الامداد بالادوية، خاصة مع معاناة مرضى الاورام الذين يضطرون لشراء ادويتهم من السوق الموازية باسعار باهظة في ظل غياب الدعم الحكومي الكامل للادوية المنقذة للحياة.
مستقبل الرعاية الصحية في ظل الازمات
وكشفت التطورات الاخيرة ان عودة المباني للعمل لا تعني بالضرورة انتهاء الازمة، اذ لا تزال مصانع الادوية المحلية تعمل بطاقة محدودة، ولا تزال المختبرات تواجه صعوبات في استيراد المحاليل الطبية بالعملة الصعبة. واكد الخبراء ان مكافحة الاوبئة مثل الملاريا والكوليرا تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تتجاوز دور المستشفيات لتشمل تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، لضمان حماية السكان من المخاطر الصحية المتزايدة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.





