حكومة دولة جعفر حسان ورصيد الانجاز

حكومة دولة جعفر حسان ورصيد الانجاز

ماذا تحقق فعلاً؟
عندما تُقيّم الحكومات ، يكون من السهل أن تنقسم الآراء بين الموالاة والمعارضة ؛ فريق يرى الإنجاز في كل خطوة ، وفريق لا يرى في الخطوات إلا ما لم يتحقق بعد ، وبين الموقفين تضيع أحياناً المنطقة الأكثر أهمية: القراءة الموضوعية لما تحقق بالفعل. وحكومة الدكتور جعفر حسان ليست استثناءً من هذه القاعدة.

منذ تشكيلها في أيلول 2024، جاءت الحكومة في ظرف اقتصادي واجتماعي معقد ، وحملت تكليفاً يرتبط بمواصلة مشروع التحديث ، وتحقيق النمو، وزيادة الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات ، مع الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي ، والأهم أن كتاب التكليف لم يجعل الإنجاز فكرة مجردة ، بل ربطه بالبرامج التنفيذية والمتابعة والتقييم ، وبأن يشعر المواطن بأثر العمل الحكومي.

بعد ما يقارب عامين ، يصبح السؤال مشروعاً:
ماذا أضافت حكومة جعفر حسان فعلاً إلى رصيد الدولة الاردنية ؟
السؤال هنا لا يتعلق بمدى شعبية الحكومة ، ولا بموقف سياسي منها ، وإنما بالإنجاز الذي يمكن إثباته وقياسه.
حكومة تنزل إلى الميدان

من أبرز السمات التي ظهرت في تجربة حسان الانتقال من إدارة الملفات من المكاتب إلى متابعتها في الميدان.

الجولات الميدانية لرئيس الوزراء والوزراء أصبحت جزءاً واضحاً من طريقة العمل الحكومي، ولم تقتصر في بعض الحالات على الزيارة ، وإنما ارتبطت بإجراءات محددة في الصحة والتعليم والخدمات والتنمية المحلية.

وفي بعض الحالات ، كان لهذا الأسلوب أثر مباشر في تسريع مشاريع متعثرة ، ومن الأمثلة اللافتة توسعة مستشفى الأميرة إيمان الحكومي في معدي ، التي أشارت الحكومة إلى تسريع إنجازها وافتتاحها خلال سبعة أشهر بعد تأخير استمر سنوات.

وهنا تظهر قيمة الإدارة الحكومية في صورتها العملية. فالمشروع الذي يتعطل لسنوات لا يحتاج دائماً إلى فكرة جديدة ؛ أحياناً يحتاج إلى قرار ومتابعة ومسؤولية سياسية.

وهذا يمكن أن يحسب لحكومة حسان ، لكن الإنصاف يقتضي أيضاً القول إن الزيارة الميدانية ليست إنجازاً بذاتها ، فالإنجاز الحقيقي يبدأ عندما تتحول الزيارة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ ، والتنفيذ إلى خدمة مستمرة يشعر بها المواطن.

الإنجاز المالي الذي لا يظهر في الصورة اليومية
من الإنجازات التي قد لا تحظى بالاهتمام الشعبي معالجة المتأخرات الحكومية.

الحكومة أعلنت تسديد مئات الملايين من الدنانير من المتأخرات المتراكمة عن سنوات سابقة، في خطوة تتعلق بالسيولة والانضباط المالي والالتزامات تجاه القطاع الخاص والمؤسسات المختلفة.

قد لا يرى المواطن هذا الإنجاز مباشرة، لكنه مهم في إدارة المالية العامة.
فالدولة التي تراكم التزاماتها تؤجل المشكلة ولا تحلها ، بينما سداد المتأخرات يعيد جزءاً من السيولة إلى الاقتصاد ويخفف الضغط عن الشركات والموردين والجهات المستحقة.

وهذا نوع من الإنجاز يمكن وصفه بأنه إدارة هادئة لمشكلة تراكمية.
ليس إنجازاً احتفالياً، لكنه إنجاز حقيقي.
من الرؤية إلى البرنامج

جانب آخر من رصيد الحكومة يتمثل في الانتقال من الحديث العام عن التحديث الاقتصادي إلى برامج تنفيذية أكثر تحديداً. فالبرنامج التنفيذي للمرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي يتضمن مئات المشاريع والمبادرات ، مع مؤشرات وجداول زمنية وآليات متابعة.

وهذه خطوة مهمة في إدارة الدولة ؛ لأن الفرق بين الرؤية والبرنامج هو أن الرؤية تقول: «إلى أين نريد أن نذهب؟» ، بينما البرنامج يقول: «ماذا سنفعل، ومتى، وبأي مؤشر نقيس النجاح؟

لكن هنا تبدأ مسؤولية الحكومة الأصعب. فالبرنامج ليس إنجازاً مكتملًا.
إنه أداة لصناعة الإنجاز. وبالتالي فإن قيمة البرنامج لن تُقاس بعدد صفحاته أو عدد مشاريعه ، وإنما بما سيخرج منه إلى الواقع.
اقتصاد يتحسن ولكن ببطء

الأرقام الاقتصادية تشير إلى بعض التحسن في النمو والصادرات وسوق العمل ، وانخفاض معدل البطالة ، حتى وإن كان محدودا ً، لا ينبغي تجاهله ، كما أن تحسن بعض مؤشرات النشاط الاقتصادي والصادرات يعكس قدرة الاقتصاد الأردني على الحفاظ على قدر من الاستقرار والنمو رغم الظروف الصعبة.
لكن الإنصاف يقتضي ألا ننسب كل تحسن اقتصادي إلى حكومة واحدة.

فالاقتصاد نتاج تراكمي ، تشترك فيه سياسات الحكومات السابقة، والقطاع الخاص، والاستثمار، والظروف الإقليمية والدولية ، والسياسة النقدية ، والتحويلات ، وغيرها.

لذلك فإن الحكم الأكثر عدالة هو أن الحكومة حافظت على مسار الاستقرار ودفعته في بعض المجالات ، لكنها لم تحقق بعد التحول الاقتصادي الذي يمكن أن يغير حياة الناس بصورة واسعة.
رصيد حقيقي، لكنه ليس رصيداً مكتملاً

إذا أردنا أن نضع حصيلة أولية ، فإن لدى حكومة حسان رصيداً يمكن الدفاع عنه :
المتابعة الميدانية ، تسريع بعض المشاريع المتعثرة ، معالجة جزء مهم من المتأخرات ، دفع البرامج التنفيذية ، الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ، وتحسن بعض مؤشرات سوق العمل.

لكن هناك فرقاً بين امتلاك رصيد إنجاز وبين امتلاك إنجاز يغير بنية الاقتصاد والمجتمع.
وهنا تنتهي مهمة المقال الأول من هذة السلسلة المكونة من ثلاثة مجموعات وتبدأ القضية الأصعب.
فالسؤال لم يعد:
هل أنجزت الحكومة ؟
بل أصبح:
هل وصل هذا الإنجاز إلى المواطن ؟
وهذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في المقال الثاني.
حمى اللة الاردن من كل كريهة