الـذهــب الأصفر.. يعود إلى الحقول ويُنعش ذاكرة الريف الأردني

الـذهــب الأصفر.. يعود إلى الحقول ويُنعش ذاكرة الريف الأردني

الرمثا - محمد أبو طبنجة- عجلون - علي القضاة

  مع بداية فصل الصيف من كل عام، تتزين السهول والمرتفعات بسنابل القمح الذهبية التي تعانق أشعة الشمس، معلنة انطلاق موسم الحصاد الذي يعد من أعرق المواسم الزراعية وأكثرها ارتباطاً بذاكرة الأهالي وتراثهم الاجتماعي والثقافي.

ويعتبر موسم حصاد القمح أو ما يعرف بـ»الذهب الأصفر» مناسبة سنوية ينتظرها المزارعون لما تمثله من مصدر رزق أساسي إلى جانب قيمتها التراثية التي تجسد علاقة الإنسان بأرضه عبر عقود طويلة من العمل والعطاء.  والسنابل الذهبية عادت لتغطي سهول الرمثا وحوران مع انطلاق موسم حصاد القمح والشعير، في مشهد أعاد إلى الأذهان المكانة التاريخية للمنطقة التي عُرفت منذ آلاف السنين بـ»أهراء روما»، نظراً لغزارة إنتاجها الزراعي وقدرتها على تزويد المدن الرومانية القديمة بالحبوب. ولم يكن لقب «أهراء روما» الذي ارتبط بالرمثا وسهل حوران مجرد وصف عابر، بل حقيقة تاريخية تعود إلى أكثر من ألفي عام، حين شكّلت المنطقة أحد أهم مراكز إنتاج القمح والشعير في الإمبراطورية الرومانية. وبفضل خصوبة تربتها واتساع سهولها، كانت آلاف الأطنان من الحبوب تُنقل سنوياً لتغذية المدن والجيوش الرومانية، ما جعل حوران سلة الغذاء الرئيسية للمنطقة وأكسبها مكانة اقتصادية وزراعية استثنائية استمرت آثارها حتى يومنا هذا. ويعود إطلاق تسمية «أهراء روما» على سهل حوران إلى العهدين الروماني والبيزنطي، حيث كانت المنطقة من أبرز مراكز إنتاج القمح والشعير في بلاد الشام، بفضل خصوبة تربتها ووفرة أراضيها الزراعية.

وكانت كميات كبيرة من الحبوب تُنقل من حوران إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، لتغذية الجيوش المرابطة في المناطق البعيدة وتزويد المدن الكبرى باحتياجاتها الغذائية، ما منح المنطقة مكانة استراتيجية واقتصادية مهمة وجعلها إحدى السلال الغذائية الرئيسة في ذلك الوقت. وكانت الحبوب المنتجة في سهل حوران تُجمع في مخازن ضخمة (أهراء) ثم تُنقل عبر الطرق الرومانية إلى المدن الكبرى ومراكز الجيوش داخل الإمبراطورية الرومانية، ما جعل المنطقة أحد أهم مصادر الغذاء في بلاد الشام.

ورغم أن التسمية التاريخية كانت تطلق على إقليم حوران بأكمله، فإن الرمثا كانت جزءاً أساسياً من هذا السهل الزراعي الممتد، لذلك ارتبط اسمها بهذا اللقب الذي ما زال متداولاً حتى اليوم . ومع تواصل الحصاد في حقول الرمثا، تتجدد صورة السهول الممتدة التي حملت عبر التاريخ لقب «أهراء روما»، في وقت يرى فيه المزارعون أن إنتاج نحو 20 ألف طن من القمح هذا العام ليس مجرد رقم زراعي، بل رسالة تؤكد أن سهل حوران ما زال يحتفظ بمكانته كأحد أهم معاقل زراعة الحقول في الأردن.

ولا تقتصر مظاهر الحصاد في سهول الرمثا على السنابل المحصودة، بل تمتد إلى مشاهد بالات التبن المنتشرة على مد البصر، حيث تنشط الشاحنات والجرارات الزراعية في نقلها وتجميعها داخل الساحات والمستودعات الزراعية. وتتحول السهول بعد الحصاد إلى ورشة عمل مفتوحة، يجري خلالها كبس التبن وتخزينه كمخزون استراتيجي لمربي الأغنام والمواشي، في صورة تعكس الترابط التاريخي بين الزراعة والثروة الحيوانية في سهل حوران. ويشهد الموسم الحالي مؤشرات إنتاجية مبشرة، إذ تبلغ المساحات المزروعة بالقمح في لواء الرمثا نحو 50 ألف دونم، فيما تشير التقديرات الأولية إلى إنتاج يقارب 20 ألف طن من القمح، وسط تفاؤل المزارعين بموسم يعد من أفضل المواسم خلال السنوات الأخيرة. من جانبه، بين مدير زراعة لواء الرمثا المهندس عبد الإله عبيدات ،أن الظروف الجوية التي سادت الموسم الزراعي الحالي أسهمت في تعزيز نمو المحاصيل الحقلية ورفع مستويات الإنتاج مقارنة بأعوام سابقة.

وقال عبيدات إن سهل حوران يعد من أهم المناطق الزراعية المنتجة للحبوب في المملكة، لما يتمتع به من تربة خصبة ومساحات واسعة قابلة للزراعة، الأمر الذي يجعله ركيزة أساسية في دعم الأمن الغذائي الوطني.

وأكد أن مديرية الزراعة تتابع عمليات الحصاد ميدانياً، وتعمل على تقديم الإرشادات الفنية للمزارعين بما يضمن المحافظة على جودة المنتج وتقليل الفاقد خلال عمليات الحصاد والنقل والتخزين. واستعرض عبيدات واقع الزراعة الحقلية في اللواء، مشيراً إلى أن المساحات المزروعة شهدت استقراراً ملحوظاً هذا الموسم، في ظل ارتفاع اهتمام المزارعين بزراعة القمح باعتباره محصولاً استراتيجياً يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي.

ولفت إلى أن الوزارة تنفذ برامج متعددة لدعم القطاع الزراعي، تشمل التوعية والإرشاد الزراعي وتحسين استخدام الموارد المائية وتعزيز الممارسات الزراعية الحديثة بما ينعكس إيجاباً على الإنتاج وأشار إلى أن النتائج الأولية للموسم الحالي تؤكد قدرة الأراضي الزراعية في الرمثا على تحقيق إنتاج وفير متى ما توفرت الظروف المناخية المناسبة، مؤكداً أهمية استمرار دعم المزارعين وتشجيعهم على التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية.

وفي الميدان، عبّر مزارعون عن ارتياحهم لمستويات الإنتاج المتوقعة هذا العام، مؤكدين أن الأمطار التي هطلت خلال الموسم انعكست بشكل مباشر على نمو السنابل وامتلائها. وأشاروا إلى أن الحقول في مختلف مناطق سهل حوران أظهرت إنتاجية جيدة مقارنة بالسنوات التي تأثرت بالجفاف وتراجع الهطولات المطرية.

وأكدوا أن موسم الحصاد الحالي أعاد الأمل للمزارعين بعد سنوات من التحديات التي واجهها القطاع الزراعي نتيجة ارتفاع كلف الإنتاج وتقلبات الطقس.

ودعوا الجهات المعنية إلى تعزيز برامج دعم المزارعين، وتخفيض كلف مستلزمات الإنتاج الزراعي، وتوفير المزيد من الحوافز التي تشجع على التوسع في زراعة القمح والشعير. وبيّنوا أن المحافظة على استدامة زراعة الحبوب تتطلب سياسات داعمة تضمن للمزارع عائداً اقتصادياً مجزياً يمكنه من الاستمرار في العمل والإنتاج.

وقالوا إن سهل حوران كان عبر التاريخ سلة غذاء للمنطقة، وإن الموسم الحالي يؤكد أن الأرض ما زالت قادرة على العطاء والإنتاج متى ما توفرت الظروف المناسبة والدعم اللازم.

 عجلون

 وفي عجلون أكد مهتمون بالشأن التراثي والبيئي أن موسم الحصاد في عجلون ليس مجرد عملية زراعية لجمع المحصول بل يمثل جزءاً أصيلاً من الموروث الشعبي الذي حافظ عليه الأهالي جيلاً بعد جيل، حيث كانت العائلات تتعاون فيما بينها لإنجاز أعمال الحصاد والدراس وسط أجواء من التكافل الاجتماعي والأهازيج الشعبية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة. وبينوا ، أن المحافظة على زراعة القمح في عجلون تسهم في تعزيز الأمن الغذائي والحفاظ على التنوع الزراعي، إلى جانب حماية الموروث الثقافي المرتبط بالأرض والزراعة، مؤكدين أهمية دعم المزارعين وتشجيع الأجيال الشابة على التمسك بهذا الإرث الوطني العريق. وأشار مدير عام المركز الوطني للبحوث الزراعية سابقا الدكتور نزار حداد ، إلى أن عمليات الحصاد قديماً كانت تتم باستخدام المناجل اليدوية قبل دخول الآلات الزراعية الحديثة، حيث كان المزارعون يبدأون يومهم مع ساعات الفجر الأولى لتجنب حرارة الشمس، ثم يتم جمع السنابل وربطها في حزم قبل نقلها إلى البيادر لمرحلة الدراس.

وأضاف أن البيادر كانت تشكل ملتقى اجتماعياً وثقافياً لأبناء القرى، حيث تتبادل الخبرات والقصص الشعبية، وتقام العديد من الفعاليات المرتبطة بالموسم، ما جعل الحصاد جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمع المحلي.

وقال المزارع الشاعر رسمي الزغول إن القمح يشكل رمزاً للعطاء والخير في الريف الأردني، مبيناً أن مواسم الحصاد كانت وما زالت مناسبة تجمع الأهل والجيران في صورة تعكس روح التعاون والمحبة.

وأضاف أن مشهد السنابل الذهبية الممتدة في الحقول يبعث على الفخر والاعتزاز ويجسد ارتباط الإنسان بالأرض التي كانت على الدوام مصدر الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي للأسر الريفية.

وأشارت ربة المنزل انتصار أبو زيتون إلى أن موسم القمح يرتبط أيضاً بالعديد من العادات المنزلية التي ما زالت الأسر تحافظ عليها، ومنها تخزين القمح وطحنه لإعداد الخبز البلدي والأكلات الشعبية التراثية التي تعتمد على منتجات القمح.

وأضافت أن النساء شريكات أساسيات في مختلف مراحل الموسم، سواء في إعداد الطعام للعمال أو في عمليات تنظيف الحبوب وتجهيزها للتخزين ما يعكس الدور المهم للمرأة الريفية في دعم الإنتاج الزراعي.