مع حلول الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، يظهر القطاع الصحي واحدا من أكثر القطاعات تعبيرا عن مسيرة الدولة في البناء والتحديث، فمنذ إنشاء المؤسسات الطبية الأولى، وصولا إلى التحول الرقمي ومركز الصحة الرقمية، راكم الأردن تجربة صحية جعلته مركزا إقليميا للعلاج والتدريب والرقابة الدوائية والسياحة العلاجية.
واكد جلالة الملك عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة أن تطوير القطاع الصحي يمثل أولوية وطنية، مشددا على ضرورة النهوض بالخدمات الطبية ومعالجة الاختلالات التي تواجه القطاع، بما يضمن حصول المواطنين على رعاية صحية كفؤة وعادلة.
ووجه جلالته باعداد خطة استراتيجية شاملة للنهوض بقطاع الصحة، تشمل توسيع مظلة التامين الصحي، وتعزيز البنية التحتية الطبية، وتطوير الكوادر والخدمات التخصصية، إلى جانب دعم التحول الرقمي والحوكمة الصحية.
كما انعكس الدعم الملكي المباشر في إنشاء وحدة خدمة الجمهور في الديوان الملكي لتقديم تغطية نفقات العلاج للمواطنين غير المؤمنين صحيا وغير القادرين على تحمل تكلفة العلاج، بما يعزز الحماية الصحية والاجتماعية للمواطنين.
ويواصل سمو الامير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، دعم مسار تحديث القطاع الطبي، من خلال التركيز على توظيف التكنولوجيا والابتكار لتحسين جودة الخدمات الصحية والوصول بها إلى مختلف المحافظات.
واكد سموه خلال مناسبات عدة اهمية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والربط الرقمي في القطاع الصحي، بما يتيح للمواطن في المراكز الصحية الطرفية الوصول إلى الاختصاصيين والخدمات الطبية المتقدمة عن بعد.
من التاسيس الى التحول الرقمي
شهدت المنظومة الصحية الاردنية تاسيس عدد من المؤسسات التي شكلت نواة القطاع الصحي الحديث، بدءا من الخدمات الطبية الملكية عام 1941، ومستشفيات البشير عام 1954، وبنك الدم الاردني عام 1957، وصولا إلى مدينة الحسين الطبية عام 1973.
ومع توسع الدولة، تاسس المجلس الطبي الاردني عام 1982 لتنظيم الاختصاصات الطبية ومنح شهادة البورد الاردني، ثم المركز الوطني للسكري والغدد الصم والوراثة عام 1996، ومركز الحسين للسرطان عام 2001.
وفي عام 2009، دخل القطاع الصحي مرحلة جديدة باطلاق برنامج "حكيم" للتحول الرقمي، الذي أصبح أحد أبرز مشاريع حوسبة الخدمات الصحية في المملكة.
وبحلول عام 2026، وصل عدد المنشات الحكومية المطبقة لنظام "حكيم" إلى 462 منشأة صحية، ضمن خطة تستهدف حوسبة أكثر من 570 منشأة حكومية.
كما شهدت الخدمات الصحية توسعا رقميا عبر إطلاق عشرات الخدمات الإلكترونية الخاصة بتراخيص المهن الصحية، بما يسهم في تسريع الإجراءات وتحسين كفاءة الخدمات الطبية.
مركز الصحة الرقمية.. نقلة نوعية في الرعاية الصحية
برز مشروع المستشفى الافتراضي ومركز الصحة الرقمية الاردني كاحد اهم مشاريع التحديث الصحي في المملكة، من خلال ربط المستشفيات والمراكز الطرفية بالاختصاصيين عبر تقنيات الطبابة عن بعد.
ويقدم المشروع خدمات العناية الحثيثة وغسيل الكلى والاشعة عن بعد، بما يتيح وصول الخدمة الطبية المتخصصة إلى المحافظات والمناطق البعيدة.
وخلال مراحل تشغيله الاولى، اصدر مركز الصحة الرقمية الاردني عشرات الاف تقارير الاشعة، وتابع الاف جلسات غسيل الكلى، واشرف على مئات المرضى في وحدات العناية المركزة، فيما ساهم المشروع في تقليص اوقات الانتظار وتحسين كفاءة الخدمات الطبية وجودة الرعاية المقدمة.
كما توسع المشروع خلال عام 2026 ليشمل ربط 12 مستشفى و3 مراكز صحية، مع خطة للتوسع في المرحلة التالية وربط مزيد من المستشفيات والمراكز الصحية ضمن منظومة الطبابة الرقمية.
ويمثل المشروع نموذجا جديدا لادارة الرعاية الصحية، يقوم على توظيف التكنولوجيا لتقليل الاكتظاظ، وتحسين توزيع الخدمات، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبية.
تحديث البنية الصحية وجودة الخدمات
بالتوازي مع التحول الرقمي، واصلت وزارة الصحة تحديث مستودعات الادوية والمطاعيم وتعزيز منظومة المخزون الطبي الاستراتيجي، بما يسهم في رفع كفاءة التخزين والتوزيع، وتعزيز الامن الدوائي وسرعة الاستجابة للاحتياجات الصحية.
كما اطلقت الوزارة السياسة والاستراتيجية الوطنية للجودة وسلامة المرضى للاعوام 2024-2030، بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية والاتحاد الاوروبي، بهدف تعزيز جودة الرعاية الصحية وتقليل الاخطاء الطبية وترسيخ معايير الحوكمة وسلامة المرضى.
مشروع الابحاث السريرية
واطلقت وزارة الصحة مشروع الابحاث السريرية بالتعاون مع المؤسسة العامة للغذاء والدواء وشركة "اكديما"، بهدف دعم الدراسات الطبية المتقدمة وتطوير البحث العلمي والصناعات الدوائية وتعزيز الابتكار العلاجي في المملكة.
ويعكس المشروع توجه وزارة الصحة نحو تعزيز البحث العلمي الصحي وتطوير الصناعات الدوائية المحلية.
توسع الخدمات التخصصية
شهد القطاع الصحي توسعا في الخدمات التخصصية، من خلال تحديث اقسام الاشعة والعلاج المتخصص، وادخال خدمات القسطرة القلبية، وتوسيع برامج الكشف المبكر عن الامراض، ضمن خطة لرفع كفاءة الرعاية الطبية وتوسيع نطاق الخدمات في المحافظات.
كما بدات وزارة الصحة تطبيق بروتوكولات علاجية حديثة للحالات القلبية الطارئة، بما يعزز سرعة الاستجابة الطبية ويرفع كفاءة الخدمات العلاجية المتخصصة.
القطاع الخاص والسياحة العلاجية
يشكل القطاع الطبي الخاص أحد أعمدة المنظومة الصحية الاردنية، باستثمارات تتجاوز 4 مليارات دينار، ويوفر عشرات الاف فرص العمل.
وساهمت المستشفيات الخاصة في ترسيخ مكانة الاردن وجهة إقليمية للعلاج، من خلال إدخال تقنيات حديثة مثل الجراحة الروبوتية والعلاج بالخلايا الجذعية، إلى جانب تطوير خدمات الطب عن بعد والربط الإلكتروني مع شركات التامين ووزارة الصحة.
كما واصل قطاع السياحة العلاجية تحقيق نمو ملحوظ خلال السنوات الاخيرة، مدعوما بارتفاع اعداد المرضى الوافدين وتطوير الحزم العلاجية والخدمات الطبية المتخصصة، ما عزز مكانة الاردن وجهة إقليمية للعلاج والرعاية الصحية.
التمريض والاستدامة الصحية
يواصل قطاع التمريض دوره باعتباره أحد أعمدة الرعاية الصحية في الاردن، عبر تطوير التدريب والتعليم المهني ورفع كفاءة الكوادر الصحية، من خلال مراكز محاكاة سريرية ومراكز تدريب معتمدة للانعاش القلبي الرئوي والتعامل مع الحالات الحرجة.
وفي جانب الاستدامة، توسعت مشاريع الطاقة المتجددة في القطاع الصحي، من خلال تركيب أنظمة الخلايا الشمسية في عدد من المستشفيات والمراكز الصحية، إلى جانب تنفيذ مشاريع أنظمة التسخين بالطاقة الشمسية في المستشفيات الحكومية، ضمن توجهات تهدف إلى خفض تكلفة التشغيل وتعزيز كفاءة الطاقة.
واظهر القطاع الصحي الاردني في الذكرى الثمانين للاستقلال تحولا نوعيا يتجاوز التوسع في عدد المستشفيات والمراكز إلى إعادة تعريف الخدمة الصحية نفسها.
فالمستشفى الافتراضي، والتحول الرقمي، وتوسيع الخدمات التخصصية، وتعزيز الامن الدوائي، وتطوير السياحة العلاجية، كلها خطوات تعكس انتقال القطاع الصحي الاردني إلى مرحلة أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين وأكثر استعدادا لمتطلبات المستقبل.
-
-
-
-
-
الاردن يفقد عيسى ايوب وزير النقل الاسبق2026-05-24
