يحتفل الاردن بالذكرى الثمانين لاستقلاله، مؤكدا ان المياه ليست مجرد مورد طبيعي بل هي اساس للاستقرار والتنمية واستدامة الحياة في بلد يعتبر من بين الافقر مائيا على مستوى العالم.
وعلى مدى ثمانية عقود، تحول ملف المياه الى اولوية وطنية متقدمة، نظرا لمحدودية الموارد الطبيعية والتوسع السكاني وموجات اللجوء والتغيرات المناخية وتراجع معدلات الهطول المطري، ما دفع الدولة الى تبني مشاريع واستراتيجيات طويلة الامد لضمان الامن المائي وتعزيز استدامة الموارد.
ومع دخول الاردن عامه الثمانين بعد الاستقلال، يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه كاكبر مشروع مائي في تاريخ المملكة، واحد اهم المشاريع الاستراتيجية التي يعول عليها الاردن لتامين احتياجاته المائية خلال العقود المقبلة، وذلك ضمن رؤية شاملة تربط الامن المائي بالتحديث الاقتصادي والاستدامة البيئية.
المياه في صدارة الاولويات الوطنية
حظي قطاع المياه باهتمام مباشر من الملك عبدالله الثاني منذ تسلمه سلطاته الدستورية، اذ اكدت كتب التكليف السامية للحكومات المتعاقبة ضرورة التعامل مع المياه باعتبارها اولوية وطنية، والعمل على وضع خطط بعيدة المدى لمواجهة العجز المائي واثار التغير المناخي.
وفي هذا الاطار، مضى الاردن خلال السنوات الماضية في تنفيذ مشاريع مائية كبرى، وتطوير استراتيجيات وطنية تهدف الى تنويع مصادر المياه، وتحسين كفاءة التزويد، وتقليل الفاقد، والتوسع في اعادة استخدام المياه المعالجة، وربط قطاع المياه بمسارات التحديث الاقتصادي والطاقة والتحول الرقمي.
وتؤكد رؤية التحديث الاقتصادي للاعوام 2022-2033 اهمية رفع كفاءة قطاع المياه وتحسين استدامته المالية، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا والطاقة المتجددة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، باعتبار المياه احد المرتكزات الاساسية للنمو الاقتصادي وتحسين جودة الحياة.
الاردن بين اكثر دول العالم شحا بالمياه
وتؤكد وزارة المياه والري ان الاردن يواجه تحديات مائية عميقة جعلته فعليا من افقر دول العالم مائيا، اذ تراجع نصيب الفرد السنوي من المياه الى نحو 60 مترا مكعبا سنويا، مقارنة بخط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويا.
وتفاقمت هذه التحديات بفعل النمو السكاني المتسارع واللجوء والتغيرات المناخية وتراجع الهطولات المطرية والضغط المتزايد على المياه الجوفية، في وقت تشير فيه التقديرات الى ارتفاع الطلب على المياه بوتيرة متسارعة خلال السنوات المقبلة.
ورغم ذلك، تمكن الاردن من الحفاظ على استمرارية خدمات المياه في مختلف مناطق المملكة، اذ تبلغ نسبة المنازل المرتبطة بشبكات مياه الشرب نحو 94% حاليا، ضمن خطة تستهدف رفعها الى 98% بحلول عام 2030، فيما تصل نسبة المخدومين بخدمات الصرف الصحي الى نحو 66% مع خطط لرفعها الى 80% بحلول عام 2040.
الديسي نقطة تحول في التزويد المائي
شكل مشروع جر مياه الديسي واحدة من اهم المحطات المفصلية في قطاع المياه الاردني، بعدما وفر حلا استراتيجيا لتعزيز التزويد المائي للعاصمة وعدد من المحافظات.
ومنذ تدشينه عام 2013، بات المشروع يزود المملكة بنحو 100 مليون متر مكعب سنويا من المياه عالية الجودة، ما ساهم في تحسين التزويد المائي وتعزيز استقرار الشبكات في العاصمة والمحافظات المستفيدة.
كما شهد القطاع تنفيذ مشاريع مائية اخرى، من ابرزها مشروع مياه الزارة معين الذي دخل الخدمة عام 2006 بكلفة بلغت نحو 125 مليون دولار، واسهم في تعزيز تزويد العاصمة بالمياه، اضافة الى مشروع جر مياه وادي العرب 2 الذي افتتح عام 2020 بكلفة قاربت 129 مليون دولار، وبقدرة تزويد تصل الى اكثر من 30 مليون متر مكعب سنويا لتحسين التزويد المائي في محافظات الشمال.
وخلال العقود الماضية، ارتفع عدد السدود الرئيسية في المملكة من 6 سدود الى 16 سدا، فيما تصل السعة التخزينية الحالية الى نحو 288 مليون متر مكعب، مع خطط لرفعها مستقبلا ضمن برامج الحصاد المائي وتعزيز التخزين الاستراتيجي.
الناقل الوطني للمياه مشروع استراتيجي لمستقبل الاردن
وفي ظل تراجع المصادر التقليدية للمياه، اتجه الاردن نحو مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يعد اكبر مشروع مائي في تاريخ المملكة، واحد ابرز مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة.
ويقوم المشروع على تحلية مياه البحر الاحمر في خليج العقبة ونقل المياه المحلاة الى مختلف مناطق المملكة عبر خطوط ناقلة تمتد لنحو 450 كيلومترا، لتغطية نحو 40% من احتياجات مياه الشرب في الاردن بحلول عام 2030.
ومن المتوقع ان يوفر المشروع 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويا، بما يعزز الامن المائي ويرفع كفاءة التزويد المائي لملايين المواطنين.
وتشير احدث التقديرات الى ان الكلفة الاجمالية للمشروع تقارب 6 مليارات دولار، ضمن نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص، تقوده شركات وتحالفات دولية متخصصة، وسط دعم وتمويل من مؤسسات وصناديق دولية واقليمية.
وشهد المشروع خلال الفترة الاخيرة تقدما في استكمال الاتفاقيات والتمويلات، اذ حصل الاردن على حزم تمويل ومنح دولية لدعم المشروع، ضمن جهود تسريع الاغلاق المالي والانطلاق في مراحل التنفيذ الرئيسية.
وينظر الى المشروع باعتباره التحول الاهم في تاريخ قطاع المياه الاردني، وخطوة استراتيجية لتعزيز الامن المائي للاجيال المقبلة، في ظل التوقعات بارتفاع الطلب على المياه وتراجع المصادر التقليدية.
استراتيجيات تمتد حتى عام 2040
ولم تقتصر جهود الاردن على المشاريع الكبرى، بل امتدت الى بناء استراتيجيات وطنية طويلة الامد، اذ اطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية للمياه للاعوام 2023-2040، بهدف ضمان استدامة الموارد المائية وتحقيق الامن المائي.
وتركز الاستراتيجية على تقليل الاعتماد على المياه العذبة، وزيادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة، وتحسين كفاءة الري، والتوسع في حصاد مياه الامطار، وتطوير ادارة المياه الجوفية، وربط ادارة المياه بالتكنولوجيا والتحول الرقمي والطاقة المتجددة.
كما تتضمن الاستراتيجية تطوير انظمة مراقبة وادارة المياه، وتعزيز الاستدامة المالية للقطاع، وتحسين كفاءة المؤسسات المائية، الى جانب توسيع الشراكة مع القطاع الخاص في مشاريع التشغيل والصيانة والبنية التحتية.
واطلقت الحكومة كذلك خططا متخصصة لتطوير خدمات مياه الري وتحسين ادارة الموارد المائية في وادي الاردن، ضمن توجهات تعزيز الامن الغذائي ورفع كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي.
خفض الفاقد وتطوير الشبكات
ويواصل الاردن جهوده لخفض الفاقد المائي، اذ يعد تقليل فاقد المياه احد ابرز محاور الاصلاح في قطاع المياه.
وتستهدف وزارة المياه والري خفض الفاقد الى نحو 25% بحلول عام 2040، من خلال برامج متواصلة لتطوير الشبكات، واستبدال الخطوط والعدادات القديمة، والتحول الرقمي، والكشف المبكر عن التسربات، ومراقبة الضغوط، واعادة هيكلة مناطق التزويد.
وحققت المملكة تقدما ملحوظا في هذا الملف، اذ انخفضت نسبة الفاقد المائي الى نحو 40.9% خلال عام 2025، مقارنة بمستويات تجاوزت 52% خلال الاعوام الماضية، ضمن خطط تستهدف خفض الفاقد بمعدل يقارب 2% سنويا.
كما كثفت الوزارة حملات ضبط الاعتداءات على مصادر المياه والخطوط الرئيسة، ووسعت استخدام الانظمة الذكية والقراءة الالكترونية للعدادات، بما اسهم في تحسين كفاءة التزويد وتقليل الهدر.
توسع الصرف الصحي واعادة استخدام المياه
وفي قطاع الصرف الصحي، واصل الاردن التوسع في مشاريع المعالجة واعادة استخدام المياه، ضمن توجهات تعظيم الاستفادة من الموارد غير التقليدية.
وتشغل المملكة حاليا ما بين 31 و33 محطة معالجة متقدمة للمياه العادمة، تعالج اكثر من 200 مليون متر مكعب سنويا، فيما تشكل المياه المعالجة احد المصادر الرئيسية لمياه الري، خاصة في الزراعات المقيدة.
وتعمل الحكومة على رفع كميات المياه المعالجة واعادة استخدامها، ضمن خطط تستهدف توسيع شبكات الصرف الصحي وتحسين الواقع البيئي وتقليل الضغط على المياه العذبة.
كما تتجه الاستراتيجيات الوطنية الى زيادة الاعتماد على المياه المعالجة في الزراعة والصناعة، بما يتيح توجيه المياه العذبة للاستخدامات المنزلية ومياه الشرب.
الامن المائي اولوية مستمرة
وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، يواصل الاردن تطوير قطاعه المائي عبر مشاريع واستراتيجيات طويلة الامد، واضعا الامن المائي في صميم اولوياته الوطنية.
ويبرز مشروع الناقل الوطني للمياه بوصفه عنوان المرحلة المقبلة، وخيارا استراتيجيا يعكس توجه المملكة نحو بناء مستقبل مائي اكثر استدامة، في واحدة من اكثر مناطق العالم تحديا في الموارد المائية.
ومع استمرار تنفيذ مشاريع التحديث وخفض الفاقد والتوسع في التحلية واعادة الاستخدام، يمضي الاردن نحو تعزيز امنه المائي، وربط قطاع المياه بمسارات التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية، بما يضمن استدامة الموارد وتحسين جودة الخدمات للاجيال المقبلة.





