لبنان يواجه استحقاقات مالية جديدة رغم تحديات الحرب

لبنان يواجه استحقاقات مالية جديدة رغم تحديات الحرب

تستمر القضايا المالية والنقدية العالقة في لبنان في فرض نفسها، مولدة المزيد من الاستحقاقات الحيوية المضافة على جداول أعمال السلطات التنفيذية والتشريعية والنقدية، وذلك بعدما تراجعت نسبيا خلف عاصفة الحرب وتصدرت نتائجها الكارثية على المستويات البشرية والإعمارية والاجتماعية، وقائمة الأولويات السياسية والاقتصادية على حد سواء.

وفيما يعكف الفريق الاقتصادي الحكومي على إعداد تحسينات تلحق بمشروع قانون الفجوة المالية، وبما يشمل مناقشة تحفظات حاكمية البنك المركزي، تكفلت التعديلات الجديدة على قانون اصلاح المصارف، التي أحالتها الحكومة الى المجلس النيابي خلال الشهر الحالي، بانتعاش المواجهات غير المنقطعة في أروقة القطاع المالي، التي تتركز أساسا حول خطة الانقاذ ومعالجة الازمات الهيكلية المتدحرجة للعام السابع على التوالي، والمترجمة خصوصا بالفشل المتكرر في التزام الموجبات الاصلاحية لعقد اتفاق تمويلي ناجز مع صندوق النقد الدولي.

وأسهمت التطورات الحربية وتداعياتها، حسب معلومات تابعتها الشرق الاوسط مع مسؤول مالي معني، بمنح لبنان مهلا جديدة تمتد مبدئيا حتى موعد الاجتماعات الخريفية للمؤسسات المالية الدولية، لانجاز تشريعات خريطة طريق استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع، بما يشمل الاصلاحات المنشودة في الجهاز المصرفي، وبموازاة التزام متطلبات مكافحة تبييض غسيل الاموال، خصوصا لجهة كبح الاقتصاد غير النظامي، واقفال مؤسسات وقنوات مرور الاموال غير المشروعة، ومعالجة الانفلاش النقدي من خلال اخضاعها لمقتضيات التحقق من المصدر الى المستفيد.

وبرز تطور استثنائي من شأنه التأثير على المداولات اللاحقة في اللجان النيابية والهيئة العامة لمجلس النواب، بعدما اقر صندوق النقد، في تقرير محدث، بوصف الازمة التي اصابت القطاع المصرفي بانها نظامية، ومساواتها بأزمات مشابهة اصابت 13 بلدا حول العالم في السنوات العشر الاخيرة، بدءا من انغولا في عام 2015، وصولا الى فيتنام في عام 2022، مما سيسهم في مطابقة الاصلاحات ومسؤولياتها مع التوصيف الدولي ومحاكاة الخطط الانقاذية المعتمدة في تجارب الدول المشابهة.

ويرتقب ان يحسم تصنيف صندوق النقد الدولي، وفق المسؤول المالي، الجدليات الداخلية المتمادية التي افضت الى اطالة الفشل في اعتماد الخطة المتكاملة للخروج من نفق الازمات المالية والنقدية واحتواء تداعياتها المعيشية والاجتماعية، بوصف ذلك ممرا الزاميا وحيدا لاستعادة الثقة بالقطاع المالي ككل، والعودة المتدرجة الى التعافي الاقتصادي، خصوصا بعد الخسائر الجسيمة، اعماريا واقتصاديا، لفصول متتالية من الحروب المدمرة، والمقدر الا يقل تراكمها عن 20 مليار دولار بالحدود الدنيا.

الازمة النظامية واعادة هيكلة القطاع المالي

كما تكتسب هذه المقاربة، وفق المسؤول المالي، اهمية اضافية في ظل النقاشات المرتبطة باعادة هيكلة القطاع المالي، لا سيما مشروع قانون استعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع المحال من قبل الحكومة الى المجلس النيابي؛ اذ ان الاعتراف بالطابع النظامي للازمة يفرض اعادة النظر في بعض التوجهات المطروحة، بما يضمن توزيعا اكثر عدالة للمسؤوليات والاعباء بين مختلف الاطراف المعنية، وبعيدا عن اختزال ما جرى ضمن اطار ضيق وتحميل المودعين والبنوك كامل تبعات الانهيارات.

ويتفق هذا التطور في التوصيف الدولي لطبيعة الازمة، مع المطالعة القضائية لمجلس الشورى قبل اكثر من سنتين، والتي استخلصت ان لبنان لا يواجه ازمة مصرفية عادية، بل ازمة نظامية، ومحملا الدولة المسؤولية الاولى عن الازمة المالية، نتيجة اعتماد سياسة الاقتراض من مصرف لبنان لتمويل العجز في موازناتها.

المصارف مستعدة لتحمل مسؤولياتها

جرى تجديد التداول بهذه المطالعة خلال اجتماع رئيس الجمهورية جوزيف عون، مع مجلس ادارة جمعية المصارف برئاسة الدكتور سليم صفير، وابلاغه الاستعداد لتحمل المصارف مسؤولياتها وللمشاركة في تحمل الخسائر، ضمن سياق لا يحول الاصلاح الى تصفية، او تحويل اعادة الهيكلة الى تحميل غير عادل للقطاع والمودعين معا، مما يقتضي العدالة في توزيع المسؤوليات والاعباء، والحرص على حماية حقوق المودعين، والحفاظ على مقومات استمرارية القطاع.

وشدد عون على اهمية الوصول الى حل عادل وشامل للازمة المصرفية بما يرضي الجميع ويحفظ الحقوق على حد سواء، مؤكدا اهمية الاصلاح من دون تدمير او المس بهذا القطاع، ومشددا على انه من واجب الدولة الوقوف الى جانب القطاع المصرفي واصلاحه واعادة هيكلته للمحافظة على الوضع الاقتصادي وضمان حقوق المودعين، وبانه من دون قطاع مصرفي سليم لن تكون هناك استثمارات، ولن يكون بلد.

حاكم المركزي يتحفظ

وبالاسبقية، لم يتردد حاكم البنك المركزي كريم سعيد، في اشهار تحفظاته على مندرجات مهمة واردة في المشروع الحكومي، مؤكدا حينها ان المشروع يحتاج الى مزيد من التوضيح والتعزيز فيما يتعلق بالتزامات الدولة، وباعتبار الدولة الجهة النهائية التي استخدمت هذه الاموال على مدى سنوات طويلة، فان مساهمتها يجب ان تكون محددة بشكل صريح، وقابلة للقياس، وملزمة قانونا، ومقترنة بجدول زمني واضح وموثوق.

ولم يفت الحاكم التطرق في مداخلاته محليا وخارجيا، الى معضلة توزيع الاعباء والمسؤوليات المالية بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية، فضلا عن العناوين المحورية التي تخص خفض العجز المالي من خلال ازالة المطالبات غير النظامية، وتصنيف الودائع ضمن فئات محددة بوضوح، وعمليات السداد عبر مزيج من المدفوعات النقدية والادوات المالية المدعومة بالاصول، على مراحل وضمن حدود السيولة المتاحة.

وتلح المصارف على نيل حقها الطبيعي في المشاركة بالنقاشات التي تقرر مصيرها، وتبيان مقاربتها القائمة على تلازم هدفي حماية المودعين واستمرارية القطاع، وتفهم ملاحظاتها الواردة ضمن مذكرتها الى المسؤولين، التي تستخلص انه عوضا عن التوزيع العادل للمسؤوليات، اخرج مشروع القانون المحال الى مجلس النواب، الدولة، وهي المسؤولة الاولى عن الفجوة، من اي مساهمة واضحة في الخسائر، ولم يكتف المشروع بذلك؛ بل الحق الاذى بالقطاع المصرفي والمودعين على حد سواء.

وعلى سبيل المثال، يرد في مشروع القانون، ورغم اعتراض السلطة النقدية، وجوب تنقية اصول غير منتظمة؛ اي انها غير مستحقة السداد للمودعين، ويقترح حسمها من بند الودائع وعدم اعادتها الى اصحابها، بينما يحمل المصارف، في المقابل، قيمتها بوصفها خسارة، فتقع الخسارة الفعلية على الطرفين معا؛ اي اصحاب الحسابات والبنوك، وتكون النتيجة دفع المصارف نحو التصفية بدل تمكينها من اعادة الودائع، وبالتالي اذا حملت المصارف اعباء تفوق مسؤولياتها وقدراتها، فان النتيجة ستكون واضحة، وخلاصتها تصفية العدد الاكبر من المصارف.

وفي الخلاصة، يلفت المسؤول المالي الى ان التجارب الدولية تظهر ان الازمات النظامية، مهما بلغت حدتها، يمكن ان تتحول الى نقطة انطلاق لاعادة بناء انظمة مالية اكثر صلابة وحداثة اذا توافرت الارادة السياسية والاصلاحات الجدية، ومن هنا، تبدو المرحلة الحالية فرصة لاعادة صياغة نموذج اقتصادي ومالي جديد يعيد للبنان موقعه ودوره المالي في المنطقة، ويؤسس لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية على حد سواء.

ولذا، يصبح من الضروري، حسب المسؤول عينه، اعتماد مقاربة تشاركية ومتوازنة تعيد بناء الثقة بالقطاع المالي والمصرفي، وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق المودعين والمستثمرين واستمرارية المؤسسات المالية؛ فاعادة النهوض الاقتصادي لا يمكن ان تتحقق عبر سياسات تصادمية او حلول ظرفية، بل من خلال رؤية اصلاحية شاملة تعترف بحجم الازمة الحقيقي وتؤسس لمسار تعاف تدريجي ومستدام.