بيد مرتعشة، تحقن الأم نهاوند جحا طفلها النحيل أمير بجرعة الانسولين اليومية، تنظر الى تاريخ الصلاحية المطبوع على العبوة وقد انتهى منذ اشهر، تعلم ان هذا السائل قد يفقد مفعوله او قد يسبب مضاعفات غير امنة، لكنها لا تملك خيارا اخر.
في غزة، لم يعد السؤال "هل الدواء متاح؟" بل "هل العلاج منتهي الصلاحية اقل ضررا من الموت دونه؟".
تجلس ام امير في ركن باهت داخل بيت متهالك، لم تسلم جدرانه من ندوب القصف ولا زواياه من الرطوبة، تراقب بصمت احتراق شمعة عمر طفلها الذي لم يتجاوز العشرة اعوام.
في هذا المنزل، وداخل جدرانه المتشققة، لا تدور المعركة مع الحرب فحسب، بل مع "عدو صامت" كما تسميه، ينهش جسد صغيرها وهو مرض السكري.
معاناة مرضى السكري في غزة
قالت الام بكلمات مبحوحة: "يريد حبة فاكهة، يشتهي غذاء لا يقتله"، بهذه الكلمات تختصر الام مأساتها، فامير الذي تحلق مستويات السكر في جسده الى مستويات مرعبة، لا يجد في منزله سوى معلبات هي بمثابة "سموم مغلفة" لجسده المنهك، وفق وصف والدته.
وتروي الام بقلب مكلوم كيف يطلب طفلها منها ما يشتهيه من خضروات وفواكه وكيف تنكسر نظراتها امام عجزها عن توفير "لقمة صحية" تسند قامته، في ظل غياب معيل او سند مادي وسط هذا الركام.
واضافت: "لا تتوقف الازمة عند تاريخ صلاحية الدواء فحسب، ففي ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر منذ بدء الحرب على غزة، فقد الانسولين حتى ذلك الذي لم تنته صلاحيته بعد فاعليته بسبب التخزين في درجات حرارة مرتفعة".
الوضع في الخيام
وبينت انياب الجوع والدواء التالف تجسد الفلسطينية نور الصفدي هي الاخرى فصلا مؤلما من فصول المعاناة، حيث تخوض معركة يومية لانقاذ حياة طفلها ماجد (7 اعوام) المصاب بمرض السكري ايضا.
وفي خيمتها المهترئة بمنطقة الساحة وسط مدينة غزة لا تجد نور خضروات تلائم حمية ماجد الصحية، ولا جرعة ماء نظيفة تطفئ ظمأ جسده المنهك، وقالت بحسرتها: "ابني اعتاد ان يستخدم الابرة (الحقنة) اكثر مما اعتاد على اللعب، فهو دائما حبيس الخيمة، حالي صعب للغاية وما يزيد علينا قسوة المرض هو اضطرارنا لاستخدام حقن انسولين منتهية الفاعلية بسبب الحصار وانقطاع الامدادات الطبية".
واكملت بوجعها الكبير: "اعلم يقينا ان هذا الدواء فقد قدرته على ضبط مستويات السكر في دم طفلي، الذي يعاني دائما من الصداع والخمول جراء استخدام دواء منتهي الصلاحية".
واضافت: "لا يوجد في عائلتنا معيل يشتري له ما يسد جوعه، حتى جهاز قياس السكر غير متوفر لدينا، فانا وطفلي نعاني اشد المعاناة، استخدام الانسولين منتهي الصلاحية قد ينهي حياته، ونحتاج تدخلا دوليا عاجلا لادخال الدواء وانقاذ اطفالنا الذين لا ذنب لهم سوى انهم ولدوا في غزة".
وضع كارثي
ووفقا لتقرير اصدرته وزارة الصحة الفلسطينية في غزة في مارس/اذار المنصرم، يواجه اليوم ما بين 70 و80 الف مريض سكري في قطاع غزة خطرا حقيقيا، بسبب النقص الحاد وشبه الكامل لمادة الانسولين الحيوية وشرائط فحص السكر، وانهيار المتابعة الطبية، وسوء التغذية الذي يجعل ضبط مستويات هذا المرض مهمة شبه مستحيلة.
وفي تقارير سابقة اكدت منظمتا الصحة العالمية وهيومن رايتس ووتش الحقوقية، ان غياب العلاج يعرض المرضى لمضاعفات قاتلة كالغيبوبة، وان نقص الانسولين يشكل تهديدا حقيقيا على حياتهم.
وفي حديثه للجزيرة نت، كشف استشاري الغدد الصماء والسكري عدلي الغوطي عن ارقام مفزعة تشير الى وجود ما يقارب 2500 طفل في قطاع غزة مصابين بالسكري من "النوع الاول"، ويواجه هؤلاء تحديات وجودية تتجاوز حدود المرض.
واوضح الغوطي عمق المأساة قائلا: "هؤلاء الاطفال يعتمدون كليا على الانسولين للبقاء على قيد الحياة، لكن الدواء وحده لا يكفي، فهم يواجهون خطرا قاتلا يتمثل في ندرة الغذاء، وصعوبة حفظ الانسولين في درجات حرارة مناسبة نتيجة انقطاع الكهرباء، بالاضافة الى غياب التغذية السليمة التي تعد الركيزة الاساسية لتفادي المضاعفات الحادة".
تحذيرات من مخاطر جمة
يحذر الطبيب الفلسطيني من ان الاعتماد على الانسولين في ظل معدلات سوء التغذية الحالية يحول الجسد الصغير الى ساحة للمضاعفات الخطيرة، حيث تصبح نوبات الهبوط الحاد والوفاة المفاجئة خطرا يتربص بكل طفل لا يجد وجبة تقيه غدر الانسولين في امعائه الخاوية.
ولم تتوقف تحذيرات الغوطي عند حدود الجوع، بل امتدت لتشمل "فاعلية الدواء" ذاته، حيث اشار الى معضلة تقنية وقاتلة تواجه اطفال غزة، وهي انتهاء صلاحية الانسولين او فساده نتيجة ظروف التخزين الخاطئة.
واضاف: "عندما يتجاوز الانسولين تاريخ صلاحيته، او يفقد برودته اللازمة، فانه لا يتحول الى مادة سامة فحسب، بل يفقد فاعليته الحيوية مما يجعل وخزات الحقن المتكررة التي يتحملها اطفالنا مجرد الم بلا فائدة".
ويحذر الطبيب الاستشاري من ان استخدام انسولين منتهي الصلاحية او "ضعيف الفاعلية" يضع الطفل في مهب الريح: "فهو يعطي الاهل شعورا زائفا بالامان، بينما تبقى مستويات السكر في دم الطفل مرتفعة، مما يعجل بحدوث "الحماض الكيتوني السكري"، وهي حالة طارئة تفتك بالجسد في ظل انهيار المنظومة الطبية وعدم القدرة على الوصول الى المشافي".





