شهدت الاسواق المالية العالمية تحولا جذريا في شهية المخاطر يوم الاربعاء، حيث اندفعت مؤشرات الاسهم العالمية نحو مستويات قياسية بالتزامن مع هبوط حاد في اسعار الطاقة، وذلك عقب تقارير كشفت عن اقتراب البيت الابيض من توقيع مذكرة تفاهم لانهاء الحرب مع ايران.
واشارت هذه الانباء الى ترقب واشنطن رد طهران على مقترح من 14 نقطة خلال 48 ساعة، واعطت اشارة قوية للمستثمرين بان الشريان الحيوي للطاقة العالمي، مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المائة من امدادات الطاقة، في طريقه لاعادة الفتح الكامل، وقد ادى هذا التفاؤل الى تراجع الدولار الاميركي الذي كان يمثل ملاذا امنا طيلة فترة النزاع، ليفسح المجال امام انتعاش واسع في الاصول ذات العوائد المرتفعة.
وانعكست هذه الاجواء فورا على شاشات التداول، حيث بدا المستثمرون سحب علاوة المخاطر الجيوسياسية من الاسعار، مما ادى الى انخفاض حاد في تكاليف الطاقة العالمية مقابل انتعاش قياسي في شهية المخاطر لدى المستثمرين في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وعلى صعيد قطاع الطاقة، سجلت اسعار النفط تراجعا حادا هو الاكبر من نوعه، حيث هبط خام برنت الدولي بنسبة تجاوزت 10.8 في المائة ليستقر تحت حاجز 100 دولار للبرميل لاول مرة منذ اسابيع، بينما هوى الخام الاميركي بنسبة 12.5 في المائة ليغلق دون مستويات 90 دولارا.
وهذا الانهيار السعري لم يقتصر على النفط فقط، بل شمل الغاز الطبيعي في اوروبا الذي تراجع بنسبة 11 في المائة، مدفوعا بقرار الرئيس الاميركي تعليق مشروع الحرية المخصص لمرافقة السفن التجارية، استنادا الى التقدم المحرز في المفاوضات، مما ادى الى تبخر الضغوط التضخمية التي كانت تؤرق المصارف المركزية وتدفع باتجاه رفع الفائدة.
الذهب يقفز
وفي قلب هذا التحول، سجل الذهب قفزة استثنائية تجاوزت 3.2 في المائة ليصل الى 4703.09 دولار للاوقية، وهو اعلى مستوى له منذ اواخر ابريل الماضي، وجاء هذا الصعود نتيجة مباشرة لضعف الدولار وتراجع اسعار النفط، مما خفف من المخاوف التضخمية التي كانت تدفع باتجاه بقاء اسعار الفائدة مرتفعة مدة اطول، وقفزت الفضة بنسبة 5.7 في المائة لتصل الى 76.95 دولار، كما سجل البلاتين والبالاديوم مكاسب قوية تجاوزت 3 في المائة.
ويرى المحللون ان امال السلام، وتطبيع الملاحة عبر مضيق هرمز، قد يخلقان الظروف المواتية لبنك الاحتياطي الفيدرالي الاميركي لخفض اسعار الفائدة في عام 2026، مما عزز من جاذبية المعدن الاصفر بوصفه استثمارا طويل الاجل، وسط توقعات بوصوله الى مستويات 5500 دولار بنهاية العام.
اسواق الاسهم العالمية
وفي موازاة ذلك، قفزت اسواق الاسهم العالمية بشكل جماعي، حيث اجتمع تفاؤل السلام، مع زخم قطاع الذكاء الاصطناعي، ليدفعا المؤشرات الى قمم جديدة، اذ قفز مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة هائلة بلغت 6.5 في المائة متجاوزا حاجز 7000 نقطة، مدفوعا بالصعود التاريخي لسهم سامسونغ الذي ارتفع بنسبة 14.4 في المائة لتتخطى قيمتها السوقية تريليون دولار.
وفي اوروبا، سجل مؤشر ستوكس 600 نموا بنسبة 2.1 في المائة، بينما حققت بورصات لندن وباريس وفرنكفورت مكاسب قوية ناهزت 3 في المائة، وسط ترحيب واسع بتراجع تكاليف الطاقة التي كانت تضغط على هوامش ربحية الشركات وتقلص القوة الشرائية للمستهلكين.
سوق النقد والسندات
اما في سوق النقد والسندات، فقد ادت انباء اتفاق هرمز الى اضعاف جاذبية الدولار الاميركي بوصفه ملاذا امنا، مما دفع بالعملة الخضراء الى التراجع امام سلة العملات الرئيسية بنحو 0.5 في المائة، وهذا الهبوط في قيمة الدولار، بالتزامن مع تراجع اسعار النفط، اسهما في تقليص التوقعات التضخمية عالميا، مما انعكس بوضوح في انخفاض عوائد السندات الحكومية، حيث تراجعت عوائد الخزانة الاميركية لاجل 10 سنوات الى 4.35 في المائة.
ويرى المحللون ان هذا السيناريو قد يمهد الطريق امام البنوك المركزية، وعلى راسها الاحتياطي الفيدرالي، لتبني سياسات نقدية اعلى مرونة وبدء خفض اسعار الفائدة خلال عام 2026.
هذا وتترقب الاوساط الاقتصادية الرد الايراني الرسمي على مقترح السلام الاميركي، وبينما تظل الاسواق في حالة من الحذر المشوب بالتفاؤل، فان المذكرة المرتقبة التي تتضمن وقفا لتخصيب اليورانيوم مقابل الافراج عن مليارات الدولارات المجمدة، تمثل اقرب نقطة تفاهم وصل اليها الطرفان منذ اندلاع النزاع في فبراير الماضي.
ونجاح هذا المسار الدبلوماسي لن يؤدي فقط الى تامين ممرات التجارة العالمية، بل سيضع حدا لدوامة التضخم التي ارهقت سلاسل الامداد والاقتصادات الوطنية طيلة فترة الصراع.





