أثار تسريب صوتي ضجة كبيرة في الساحة السياسية الجزائرية، خاصة داخل الأحزاب الداعمة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، وكشف التسريب عن معايير اختيار المرشحين لانتخابات البرلمان المقبلة والمقررة في الثاني من يوليو (تموز).
وجمعت المحادثة المسربة رئيس المجلس الشعبي لولاية قسنطينة، عصام بحري، المنتمي لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، والقيادي المحلي في الحزب نفسه، لطفي بوشريط.
ولم يقتصر التسريب على كشف الأسماء والصراعات على المناصب في ترتيب قائمة الحزب بقسنطينة للانتخابات البرلمانية، بل امتد ليشمل إقحام اسم الوالي في الحوار، وهو ما فجر أزمة سياسية محلية وأظهر الارتباك داخل الحزب.
تفاصيل التسريب الصوتي
والتسجيل الصوتي المتداول بكثافة عبر منصات التواصل، كشف كواليس ترتيب القوائم الانتخابية لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، المعروف اختصارا بـ«ارندي»، وسلط الضوء على معايير اختيار الأسماء ومحاولات استقطاب مرشحين، مع ادعاءات بوجود مبالغ مالية مقابل إدراج بعض رجال الأعمال، كما تحدث التسريب عن إلزام الراغبين في الترشح بدفع 10 ملايين دينار مقابل موافقة قيادة الحزب على إدراجهم في القائمة.
نفي وتوضيحات
وتركز الجدل حول إقحام اسم والي قسنطينة، عبد الخالق صيودة، في التسريب ضمن حديث عن «توصية» مفترضة، وهو ما سارع الطرف المعني بالتسجيل إلى نفيه، مؤكدا «استقلالية الحزب في خياراته».
وفندت ولاية قسنطينة في بيان رسمي أي تدخل للإدارة العمومية في المسار الانتخابي، مشددة على «التزامها بالحياد التام»، غير أن حذف هذه التوضيحات والبيانات لاحقا من منصات الإعلام الاجتماعي أثار موجة جديدة من التساؤلات والشكوك حول أبعاد القضية وتداعياتها، وخصوصا أن قانون الانتخابات يتضمن عقوبات قاسية ضد من تثبت ضدهم شبهة «الفساد المالي» و«شراء الأصوات».
ويكشف التسجيل الصوتي الممتد لأربع دقائق كواليس هندسة القوائم الانتخابية بوضوح تام، إذ يتفاوض المتحدثون حول الاستحقاقات المقبلة بلغة تعكس صراع نفوذ داخل أجهزة الحزب، وتبرز في الحوار عبارات مثل «إعداد قائمة المترشحين» و«أنصار لم يخونونا»، ما يعطي انطباعا بأن العملية ليست مجرد اختيار للمرشحين، بقدر ما هي سعي لإحكام السيطرة على موازين القوى المحلية.
وأما أكثر نقطة إثارة للجدل فتمثلت في إقحام اسم الوالي، إذ صرح، حسب ما دار في التسريب، بأن خياره في منطقة «اولاد رحمون» بقسنطينة حظي بتزكية المسؤول الأول عن الولاية، ورغم أن هذا التصريح لا يشكل دليلا قاطعا على تدخل إداري رسمي، فإنه يفسر، حسب مراقبين، حالة الارتباك التي سادت، بدعوى أن المشكل الحقيقي يكمن في زج اسم ممثل الدولة في «بورصة الترشيحات الحزبية».
ويشار إلى أن الغالبية الرئاسية تضم إلى جانب «ارندي» أحزاب «جبهة التحرير الوطني» و«حركة البناء الوطني» و«جبهة المستقبل».
انتقادات وتعليقات
بهذا الخصوص علق موقع «توالى» قائلا: «لا شيء في هذه المحادثة يشبه الخطاب الرسمي حول الاختيار الشفاف للمرشحين للانتخابات، بل إن كل شيء فيها يحيل إلى الميكانيكا الحقيقية لإعداد القوائم: التوازنات الداخلية والتوصيات والمكالمات الهاتفية والترتيبات والمقاعد الخاضعة للتفاوض».
وحول هذا الموضوع قال الصحافي المتابع للشؤون السياسية محمد مولوج: «سمعنا جميعا ذلك التسريب الصوتي، وبعيدا عن بذاءة الألفاظ والشتائم والمستوى الضحل للغة التي استخدمها السياسيان، فإن هناك عنصرا أخطر بكثير يطرق الآذان: إنه تكريس تسليع العمل السياسي وتحويله إلى مجرد بضاعة».
ويرى الصحافي ذاته أن «فظاعة المنطق التجاري» الذي قيمت به المقاعد الانتخابية في هذه المحادثة طغت على الجانب القانوني المتعلق بخصوصية التسجيل، فـ«بينما يظل نشر المحادثات الخاصة عملا مخالفا للقانون، فإن الصدمة الناجمة عن امتهان العمل السياسي واختزاله في أرقام مالية جعلت النقاش حول قانونية النشر يتراجع أمام هول الفضيحة الأخلاقية».
وأوضح مولوج: «عشرة ملايين دينار للانتخابات التشريعية وخمسة للانتخابات البلدية أسعار تطرح وكأنها نقاش حول بضاعة عادية، والأنكى من ذلك أن اسم الأمين العام لـ(التجمع الوطني الديمقراطي)، منذر بودن، ذكر صراحة، فما هي مسؤوليته؟ وهل هو متورط في هذه الفضيحة؟ وهل هو المسؤول السياسي الوحيد الذي يمارس هذا الاتجار؟ أسئلة كثيرة تظل حتى الآن بلا إجابة».
وبحسب نفس الصحافي فإنه «سواء كان التسجيل أصليا أو (مفبركا)، فإنه يسلط الضوء بشكل أساسي على واقع يعرفه الجميع مسبقا، إذ أصبحت تجارة الترشيحات منذ أمد بعيد سرا معلنا، ففي العديد من الأحزاب لا سيما أحزاب السلطة، لا يزن الالتزام النضالي أو الكفاءة أو التمثيل شيئا أمام ثقل المال وشبكات النفوذ، إن القوائم الانتخابية تفاوض وتوزع وتشترى في عتامة تامة بعيدا عن الخطابات الرسمية حول اخلقة الحياة العامة، ومع ذلك ومنذ هذا التسريب يظل الصمت صاعقا».
وفي مقابل الغليان الذي أحدثته الفضيحة ساد صمت مطبق لدى الجهات الحكومية، كما لم تتحرك السلطات القضائية ولم تبد «سلطة الانتخابات» أي نية للتقصي في الأمر، والأمر نفسه انطبق على قيادة «ارندي» التي لم يصدر عنها أي نفي واضح أو تحرك قانوني لتقتصر الردود الرسمية على بيان يتيم من مصالح الولاية سعى من خلاله الوالي للنأي بنفسه عن كواليس «هندسة» قوائم الترشيحات.





