تضارب أسعار الغاز الطبيعي عالميا: شح في آسيا وأوروبا وتخمة في أمريكا

تضارب أسعار الغاز الطبيعي عالميا: شح في آسيا وأوروبا وتخمة في أمريكا

أدت التوترات الجيوسياسية إلى تقلبات حادة في أسعار الغاز الطبيعي عالميا، حيث تواجه بعض الدول شحا في الإمدادات، بينما تعاني مناطق أخرى من تخمة في المعروض.

وكشفت الأزمة عن تباين كبير في سوق الغاز العالمية، فالبلدان المستوردة في أوروبا وآسيا تتنافس للحصول على إمدادات محدودة، بينما تشهد الولايات المتحدة، أكبر منتج ومستهلك للغاز في العالم، فائضا كبيرا في بعض المناطق، مما أدى إلى انخفاض الأسعار.

وقالت وكالة الطاقة الدولية إن الأحداث الأخيرة غيرت بشكل ملحوظ توقعات سوق الغاز العالمية، حيث أدت اضطرابات الشحن إلى زيادة تقلبات الأسعار وتأخير وصول الإمدادات الجديدة من الغاز الطبيعي المسال.

وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن جزءا كبيرا من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق حيوي، حيث تتجه معظم هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية.

ضغط الامدادات

واضافت وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج الغاز الطبيعي المسال العالمي قد تراجع بشكل ملحوظ، كما انخفضت شحنات بعض الدول المنتجة الرئيسية، ولم يعوض هذا النقص جزئيا إلا زيادة الإنتاج من مشاريع جديدة في مناطق أخرى.

ومنذ بداية الاضطرابات، انخفضت العقود الآجلة للغاز في مركز رئيسي بالولايات المتحدة، بينما ارتفعت الأسعار في أوروبا وآسيا بشكل ملحوظ، وفقا لرويترز.

وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية هذا التباين بين الأسواق، مبينة أن أسعار الغاز في أوروبا وآسيا قد ابتعدت عن الأسعار الأمريكية منذ إغلاق مضيق هرمز، وأن عقود الغاز الطبيعي المسال في مركز أوروبي رئيسي قد ارتفعت بشكل كبير.

تخمة أمريكية

وتمتلك الولايات المتحدة إمدادات كافية لتلبية الطلب المحلي ودعم محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال، إلا أن هذه المحطات تعمل بالفعل بالقرب من طاقتها القصوى، مما يحد من قدرة واشنطن على زيادة الصادرات بشكل كبير.

وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية تعمل بمستويات استخدام عالية، وإن المرونة المتاحة لزيادة الصادرات محدودة للغاية.

وسجل إنتاج الغاز الطبيعي المسوق في الولايات المتحدة مستوى قياسيا في عام سابق، واستحوذت مناطق معينة على غالبية الإنتاج والنمو خلال العام.

وفي حوض بيرميان، ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسوق بشكل ملحوظ في عام سابق، ويرتبط جزء كبير من هذا الإنتاج بالغاز المصاحب لاستخراج النفط، مما يعني أن استمرار إنتاج النفط يضيف كميات كبيرة من الغاز حتى في ظل انخفاض الأسعار المحلية.

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يرتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسوق في الولايات المتحدة في السنوات القادمة، مدفوعا بزيادة الإنتاج من مناطق معينة.

الدفع للتصريف

ووصلت الأسعار في الولايات المتحدة في حوض بيرميان، أكبر حقل صخري، إلى مستويات متدنية، وجرى تداول الغاز في المعاملات الفورية بمركز رئيسي في غرب تكساس دون الصفر تقريبا، لأن خطوط أنابيب الغاز الخارجة من الحوض ممتلئة، وفقا لرويترز.

وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن أسعار الغاز في مركز رئيسي بالقرب من إنتاج حوض بيرميان قد انخفضت دون الصفر في جزء كبير من أيام التداول خلال عام سابق، لأن إنتاج الغاز في الحوض تجاوز قدرة خطوط الأنابيب على نقله إلى الأسواق.

وفي تحليل آخر، قالت الإدارة إن أسعار مركز رئيسي تكون عادة أقل من مراكز التسعير الأخرى، وقد تتحول إلى السالب، لأن إنتاج الغاز في بيرميان نما بوتيرة أسرع من طاقة خطوط الأنابيب المخصصة لنقله إلى مناطق الطلب.

وتعني الأسعار السالبة أن بعض المنتجين لا يحصلون على مقابل لبيع الغاز، بل يدفعون أموالا لتصريفه، لأن إيقاف الإنتاج أو حرق الغاز أو تخزينه ليس خيارا سهلا دائما، خصوصا عندما يكون الغاز ناتجا مصاحبا لآبار النفط.

ويتوقع محللون في بنك أوف أمريكا، وفقا لرويترز، ألا يظهر تحسن ملموس في النقل قبل أواخر هذا العام أو أوائل عام قادم، وهو الموعد المتوقع لبدء تشغيل مشاريع خطوط أنابيب أكبر.

الرابحون والخاسرون

على المدى القريب، تبدو الشركات التي لديها شحنات غاز طبيعي مسال جاهزة للبيع في وضع أفضل للاستفادة من الارتفاع الاستثنائي للأسعار العالمية.

ولتعويض شحنات الغاز التي ألغتها دولة رئيسية منتجة للغاز، اشترت شركات طاقة في أنحاء العالم شحنات إضافية من منتجي غاز طبيعي مسال أمريكيين، وفقا لرويترز.

وقال مدير قسم عقود الطاقة الآجلة في ميزوهو بوب ياجر لرويترز إن شركة معينة تعد جديدة نسبيا في مجال الغاز الطبيعي المسال، ولديها شحنات متاحة للبيع الفوري لمن يدفع أعلى سعر، مضيفا أن الجميع أصبح بحاجة مفاجئة إلى الغاز الطبيعي المسال بعد خروج جزء من إمدادات دولة رئيسية من الصورة.

وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تنمو صافي صادرات الغاز الطبيعي الأمريكية بشكل ملحوظ في السنوات القادمة، مع بدء تشغيل مشاريع تصدير جديدة للغاز الطبيعي المسال وزيادة صادرات خطوط الأنابيب.

لكن الحظ لم يحالف منتجي الغاز الأمريكيين الذين يبيعون لشركات الغاز الطبيعي المسال، لأن معظم إنتاجهم يباع بالسعر المحلي، الذي ظل منخفضا بسبب ضعف الطلب ووفرة الإمدادات في المخزونات واقتراب الإنتاج من مستويات قياسية.

ودفع انخفاض الأسعار بعض شركات الطاقة الأمريكية إلى خفض الإنتاج في انتظار ارتفاع الطلب والأسعار في وقت لاحق من العام.

ونقلت رويترز عن المدير المالي لشركة إي كيو تي جيريمي نوب، قوله إن إجراءات التخفيض الاستراتيجية التي تتخذها الشركة تعد شكلا من أشكال التخزين، لأنها تحتفظ بالغاز في باطن الأرض خلال مواسم انخفاض الطلب.

ورغم تخمة الغاز في بعض المناطق الأمريكية، تتأثر مناطق أخرى داخل الولايات المتحدة بارتفاع الأسعار الدولية، ومنها مناطق تضطر في الشتاء إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال مرتفع السعر وحرق النفط لتوليد الكهرباء، بسبب افتقارها إلى وصلات كافية بشبكة الأنابيب الوطنية لتلبية الطلب على التدفئة.