ازمة غاز تخنق عدن: طوابير طويلة ومعاناة متفاقمة

ازمة غاز تخنق عدن: طوابير طويلة ومعاناة متفاقمة

مع بزوغ فجر يوم جديد في عدن، العاصمة اليمنية المؤقتة، تتجسد فصول معاناة لا تنتهي امام محطات تعبئة الغاز، حيث تصطف المركبات واسطوانات الطهي في طوابير طويلة، ما يعكس حجم الازمة التي تعصف بالمدينة.

لم تعد اسطوانة الغاز مجرد ضرورة يومية، بل اصبحت هاجسا يؤرق السكان، خاصة مع استمرار الازمة لشهرها الخامس دون اي حلول تلوح في الافق.

ومنذ الساعات الاولى للفجر، يتجمع المواطنون على امل الحصول على الغاز، بينما يتصاعد القلق مع مرور الوقت خوفا من نفاذ الكميات قبل ان يحين دورهم.

البعض يمضي ساعات طويلة منتظرا، فيما يعود اخرون بخفي حنين بعد يوم كامل من الانتظار، في مشهد يجسد حجم المعاناة التي تثقل كاهل الحياة اليومية.

معاناة يومية

وفي خضم هذه الطوابير، يقف عبد الرحمن السقاف، رجل خمسيني، وقد انهكه الانتظار، واكد ان الازمة تحولت الى معاناة حقيقية، موضحا ان انقطاع الغاز لا يقتصر على تاخر اعداد الطعام، بل قد يترك الاسرة اياما وربما اسبوعا كاملا دون وقود.

واضاف ان السكان باتوا امام خيارين احلاهما مر: الانتظار لساعات طويلة او اللجوء الى السوق السوداء باسعار مضاعفة، مشيرا الى ان بعض الاسر تضطر للتنقل بين مديريات المدينة بحثا عن اسطوانة، فيما لجأت اسر اخرى الى استخدام الحطب كبديل.

ولا تقتصر تداعيات الازمة على المنازل، بل تمتد الى قطاع النقل، الذي يعد احد اهم شرايين الحياة اليومية، اذ يقدر مراقبون ان نحو 80% من حافلات النقل العام في المدينة تعتمد على الغاز كبديل للبنزين.

وفي هذا السياق، يروي سائق الحافلة عبد الله الشميري جانبا اخر من المعاناة، اذ يمضي يومه متنقلا بين المحطات بحثا عن الغاز، وغالبا ما يعود دون جدوى.

وقال ان هذا الوضع انعكس سلبا على دخله، حيث تراكمت عليه ديون كبيرة، الى جانب التزامات اسرية ثقيلة.

اما سائق الاجرة علي الحالمي، فيرى ان الازمة تتجاوز نقص الامدادات، ويصفها بانها مفتعلة، مشيرا الى ان بعض المحطات تغلق ابوابها رغم توفر الغاز، ما يزيد من حدة الازدحام.

واضاف ان السائقين باتوا محاصرين بين ارتفاع اسعار البنزين وصعوبة الحصول على الغاز، ما رفع تكاليف التشغيل وخفض دخلهم.

أسباب متشابكة

وفي خلفية هذا المشهد، تتعدد الاسباب التي تجعل الازمة اكثر تعقيدا من مجرد نقص مؤقت، اذ يعزو مختصون تفاقمها الى اختناقات في سلاسل التوزيع وارتفاع تكاليف النقل وضعف الرقابة، مما اتاح المجال للمضاربة واتساع السوق السوداء.

كما ساهم التحول المتزايد نحو استخدام الغاز كبديل للبنزين في رفع الطلب بشكل كبير، خاصة مع الفارق السعري بينهما، وتشير تقديرات الى ان نحو 75% من السيارات في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية باتت تعمل بالغاز، مما ادى الى زيادة الاستهلاك.

ويقول سائقون ان استخدام الغاز يقلل تكاليف التشغيل بنحو 60% مقارنة بالبنزين، اذ تباع اسطوانة الغاز بسعر اقل بكثير من البنزين.

وفي المقابل، تبدو الامدادات محدودة، اذ تنتج مصفاة صافر في مارب كمية معينة من الغاز يوميا، تغطي جزءا من الاحتياجات، بينما لا تتجاوز حصة عدن عددا محدودا من المقطورات يوميا، ما يترك السوق المحلية في حالة شح دائم.

ويزيد من تعقيد الازمة اتساع عمليات تهريب الغاز الى مناطق اخرى مستفيدة من فروق الاسعار، وهو ما يقلص الكميات المتاحة داخل المدينة، بحسب مختصين.

أزمة إدارة وتنظيم

من جانبه، يعزو محمد الجماعي، مستشار وزير الصناعة والتجارة اليمني، الازمة الى اختلالات في منظومة التوزيع اكثر من كونها نقصا فعليا في الكميات.

وقال ان تاخر تدفق الامدادات من مناطق الانتاج، الى جانب تحديات النقل وارتفاع تكاليفه، يسهم في خلق فجوات في السوق.

واشار الجماعي الى ان الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء تؤثر على كفاءة التوزيع وتزيد الضغط على القنوات المنظمة.

واكد الجماعي ان تزايد استخدام الغاز في قطاع النقل فاقم الطلب، في ظل ضعف التنسيق بين الجهات المعنية وغياب الشفافية في اليات التوزيع، مشددا على ضرورة تعزيز الرقابة وتحسين ادارة الامدادات لضمان وصولها بشكل عادل.

وفي المقابل، طلبت الجزيرة نت تعليقا رسميا من ادارة شركة الغاز في عدن، لكن مديرها رفض الادلاء باي تصريح، مما ترك تساؤلات السكان دون اجابة.

انتظار بلا نهاية

وبين طوابير تمتد منذ الفجر واسعار تتصاعد في السوق السوداء، تبدو عدن عالقة في دائرة انتظار مرهقة، حيث تحول الغاز من وسيلة لتخفيف اعباء الحياة الى عبء يومي يكشف عمق الازمة المعيشية، في ظل غياب حلول عاجلة تعيد التوازن الى سوق يعاني اختلالا متفاقما.