تكشف بيانات حديثة في الولايات المتحدة عن انتعاش صناعي ملحوظ، اذ يشهد اداء المصانع الامريكية ارتفاعا في الانتاج والشحنات، وذلك رغم استمرار تراجع الوظائف.
ويرى تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال ان هذا الانتعاش لا يخدم رواية المؤيدين ولا المعارضين للرسوم الجمركية، فهو يظهر تحسنا في الصناعة، لكن ليس للاسباب التي يتم الترويج لها في الخطاب السياسي التقليدي.
واضافت الصحيفة ان منتقدي الرسوم قد ركزوا على خسائر الوظائف، بينما نسب مؤيدو الرسوم اي تحسن صناعي الى السياسات الحمائية.
وذكر التقرير ان المحرك الحقيقي لهذا الانتعاش يتمثل في الطلب المتزايد على منتجات امريكية محددة، حيث تتمتع البلاد بقدرة تنافسية واضحة في انتاجها.
تراجع الوظائف يقابله صعود الانتاج
منذ بداية عام 2025، انخفض عدد الوظائف الصناعية في امريكا بنحو 100 الف وظيفة، وهو ما يعادل 0.6% من اجمالي العمالة الصناعية، ولكن في المقابل، ارتفع الانتاج الصناعي بنسبة 2.3%، وصعدت الشحنات الصناعية بنسبة 4.2% دون احتساب التضخم، وهو ما يعكس تحسنا في النشاط الصناعي رغم تراجع التوظيف، حسبما اكدت الصحيفة.
وتصف الصحيفة هذا الوضع بانه انتعاش متخف، لان التركيز السياسي والاعلامي غالبا ما ينصب على الوظائف بوصفها المؤشر الاسهل للفهم، بينما يبقى الانتاج الحقيقي اقل حضورا في النقاش العام، رغم انه المقياس الاكثر دقة لصحة القطاع الصناعي.
الذكاء الاصطناعي محرك رئيسي للطلب
وبحسب التقرير، تستفيد المصانع الامريكية بشكل مباشر من موجة استثمارات الذكاء الاصطناعي، والتي تتطلب مئات المليارات من الدولارات من اشباه الموصلات ومعدات الشبكات وانظمة الطاقة واجهزة التبريد، بالاضافة الى البنية التحتية لمراكز البيانات.
واوضح التقرير ان جزءا مهما من هذه المعدات يصنع داخل امريكا، بينما يستورد الجزء الاخر لتكامل سلاسل الانتاج.
وارتفع الانتاج المحلي لقطاع الحواسيب والالكترونيات العام الماضي بنسبة 7.7%، بينما قفزت الواردات في القطاع نفسه بنسبة 40.5%، وهو ما يدل على اتساع الطلب الامريكي بوتيرة تفوق قدرة المصانع المحلية وحدها على التلبية.
كما سجل قطاع الطيران ومعدات النقل اداء قويا، اذ ارتفع الانتاج المحلي بنسبة 28% خلال العام الماضي، وفي هذا الصدد، اشارت الصحيفة الى زيادة تسليمات بوينغ بنسبة 72% لتصل الى 600 طائرة، وذلك بعد تحسن الانتاج عقب سنوات من القيود المرتبطة بالسلامة والتنظيم.
وفي الوقت نفسه، ساهم تصاعد سباقات التسلح عالميا في رفع الطلب على الطائرات المقاتلة والصواريخ والمروحيات، مما دعم المصانع الامريكية العاملة في هذا القطاع.
وترى الصحيفة ان هذا النمو جاء نتيجة قوة الطلب العالمي وتمتع امريكا بقدرات انتاجية قائمة، لا بسبب الرسوم الجمركية، خصوصا ان كثيرا من هذه القطاعات كانت معفاة من هذه الرسوم.
السيارات والاثاث.. الرسوم لم تحقق المطلوب
في المقابل، لم تحقق القطاعات التي فرضت عليها حواجز جمركية مرتفعة النتائج نفسها، ففي قطاع السيارات وقطع الغيار، تراجعت الواردات بنسبة 14%، لكن الانتاج المحلي انخفض ايضا بنسبة 3%، مما يشير الى ضعف الطلب المحلي او ارتفاع التكاليف.
وفي قطاع الاثاث، هبطت الواردات بنسبة 22%، بينما تراجع الانتاج المحلي 3%، وهو ما يعني ان تقليص الواردات لم يتحول تلقائيا الى مكاسب للمصانع الامريكية.
وتربط الصحيفة ذلك بارتفاع اسعار الفائدة وتراجع انفاق الاسر على السلع المعمرة والمنازل.
وختمت وول ستريت جورنال بان السياسة الصناعية الناجحة يجب ان تتحرك مع الجاذبية الاقتصادية لا ضدها، اي دعم القطاعات التي تمتلك فيها امريكا مزايا تنافسية حقيقية، مثل اشباه الموصلات والطيران والادوية، بدلا من محاولة اعادة صناعات منخفضة القيمة تعتمد اساسا على العمالة الرخيصة في الخارج.





