في خضم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم، برزت أسعار القطن كإحدى السلع المتأثرة بشكل ملحوظ، وذلك على الرغم من بعدها الظاهري عن دائرة الصراع المباشر، ففي الوقت الذي تصدر فيه النفط والغاز عناوين الأخبار، شهد سوق القطن ارتفاعا ملحوظا، مما أثار تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذه الزيادة.
فالقطن، الذي يمثل جزءا لا يتجزأ من الصناعات العالمية، يتأثر بشكل كبير بالظروف الاقتصادية والسياسية المحيطة، ولهذا فان أي اضطرابات في سلاسل الإمداد والطاقة العالمية تنعكس بشكل مباشر على أسعاره.
وقبل اندلاع الحرب، لم تكن أسعار القطن تشير إلى أي ارتفاع كبير، حيث سجل مؤشر البنك الدولي للقطن "كوتلوك إيه" متوسطا شهريا قدره 1.64 دولار للكيلوغرام الواحد في يناير، ثم 1.63 دولار في فبراير، وفي السوق الأمريكية الفورية، انخفض متوسط السعر المرجعي من 60.61 سنتا للرطل في يناير إلى 60.33 سنتا في فبراير.
ولكن مع بداية شهر مارس، تغير المشهد، وارتفع متوسط "كوتلوك إيه" إلى 1.70 دولار للكيلوغرام، بزيادة تقارب 4.3% عن فبراير، بينما صعد متوسط السعر الفوري الأمريكي إلى 63.56 سنتا للرطل، بزيادة نحو 5.35%.
صدمة الطاقة
لم يشهد القطن ارتفاعا مماثلا للنفط، بل زيادة متوسطة ومتماسكة تعكس "علاوة حرب" أكثر مما تعكس نقصا ماديا مباشرا في القطن الخام.
وتكشف المقارنة الفارق بسرعة، فمؤشر الطاقة لدى البنك الدولي قفز بنسبة كبيرة، بينما ارتفع متوسط سعر النفط الخام بنحو 40.6%، والقطن صعد هو الآخر، لكن بأقل كثيرا من سلع الطاقة التي صنعت الصدمة الأولى.
والطريق من الحرب إلى القطن مر أساسا عبر مضيق هرمز لا عبر حقول القطن، حيث أدت الحرب إلى تعطيل تدفقات النفط والغاز عبر المضيق، مما أثر على تكلفة كل ما يعتمد عليها، من تشغيل الحقول إلى شحن البالات إلى مصانع الغزل.
مدخلات اغلى
هنا تبدأ الحلقة الثانية في القصة وهي مدخلات الإنتاج، حيث تشير الوكالة نفسها إلى أن جزءا كبيرا من تجارة اليوريا والأمونيا والفوسفات يمر عبر هرمز، وتظهر أرقام البنك الدولي أن سعر اليوريا الفوري ارتفع بشكل كبير.
وتضيف "كوتون إنكوربوريتد" أن آثار الحرب بدأت بالفعل تتسرب إلى تكاليف الزراعة والنقل، مع صعود حاد في أسعار الديزل الأمريكية، وبالنسبة لسلعة زراعية صناعية مثل القطن، لا تبدو هذه مجرد زيادة هامشية، بل هي كلفة تبدأ من الحقل.
ثم تأتي الحلقة الثالثة، وهي البوليستر، الخصم الأقرب للقطن في أسواق المنسوجات، فعندما ترتفع أسعار النفط، لا يتأثر النقل وحده، بل ترتفع أيضا تكلفة الألياف الصناعية المشتقة من الطاقة.
ووفقا لكوتون إنكوريوريتد ارتفعت أسعار البوليستر بنحو 10 سنتات للرطل في أغلب الدول المنتجة الكبرى، في الوقت الذي صعدت فيه أيضا عقود القطن القريبة وعقود ديسمبر بنحو 10 سنتات للرطل بين أوائل مارس وبداية ابريل.
وهنا لا يتحرك القطن فقط باعتباره سلعة زراعية، بل أيضا بوصفه جزءا من معادلة تنافسية مع الألياف الصناعية، وكلما صار البوليستر أغلى، صار القطن أقل تعرضا للضغط السعري، أو أكثر قدرة على تمرير الزيادة إلى السوق.
مضاربون وعرض
لكن السوق الفعلية لم تتحرك بمنطق التكاليف وحدها، بل أيضا بمنطق المال السريع، فحسب بيانات لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية "سي إف تي سي" الأسبوعية، انتقل المتعاملون غير التجاريين في عقود "Cotton No. 2" من صافي بيع إلى صافي شراء كبير.
وهذا يعني أن السوق شهدت تحولا صافيا كبيرا في غضون فترة قصيرة، وهو تحول يشير إلى أن جزءا مهما من صعود القطن لم يكن نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن وحدها، بل أيضا نتيجة إعادة تسعير مالية سريعة للمخاطر، وتغطية مراكز البيع القديمة، وعودة المضاربين بقوة إلى الجانب الصاعد من السوق.
ومع ذلك فإن المبالغة في تفسير الصعود على أنه نقص عالمي في القطن ستكون قراءة غير دقيقة، فوزارة الزراعة الأمريكية قالت في مارس ان مخزونات القطن العالمية المتوقعة ستبلغ مستوى مرتفعا، مع إنتاج عالمي متوقع واستهلاك غزلي كبير.
وهذا يعني أن السوق، من ناحية الألياف نفسها، لم تدخل الحرب من موقع شح حاد، بل من موقع عرض وفير نسبيا، ولهذا يبدو ارتفاع مارس أقرب إلى علاوة جيوسياسية فوق سوق مريحة نسبيا في أساسياتها، لا إلى بداية أزمة معروض في القطن الخام نفسه.
وفي المحصلة، كتب النفط العنوان الكبير للأزمة، لكن القطن كتب هامشها الصناعي الأوضح، سلعة لم تصب مباشرة في الحقل، لكنها تلقت الصدمة عبر الوقود والشحن والأسمدة والبوليستر والمضاربة.





