سجلت الأسواق المالية في إسرائيل تحولا تاريخيا لم تشهده منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث كسر الشيقل الإسرائيلي حاجز الـ3 شيقلات مقابل الدولار الأمريكي، مسجلا مستوى 2.993 في تداولات الأربعاء.
ويعتبر هذا الاختراق التاريخي هو الأول من نوعه منذ أكتوبر 1995، وجاء مدفوعا بموجة تفاؤل كبيرة بين المستثمرين بشأن قرب انتهاء المواجهات العسكرية في المنطقة والتوصل إلى اتفاقات قريبة لوقف إطلاق النار على جبهتي إيران ولبنان.
ويرى محللون اقتصاديون أن هذا الارتفاع الكبير، الذي تجاوزت نسبته 20 بالمئة خلال العام الأخير، ليس مجرد تصحيح فني أو تذبذب مؤقت، بل هو انعكاس مباشر لـ«انفراجة سياسية» بدأ المستثمرون في أخذها في الاعتبار.
واضاف المحللون ان احتمال نهاية النزاع ادى الى تقليص «علاوة المخاطر» الجيوسياسية التي أثرت على العملة المحلية طوال فترة الحرب، مما حول الشيقل من عملة تحت الضغط إلى ملاذ آمن لرؤوس الأموال.
تأثيرات على قطاعي التصدير والصناعة
وعلى الرغم من الجوانب الإيجابية لهذا الارتفاع، إلا أن هذا «النجاح الرقمي» للشيقل يحمل في طياته تحديات كبيرة لقطاعي التصدير والصناعة.
ويوضح المصنعون ان القوة المفرطة للعملة تمثل «ضربة قاضية» لقدرتهم التنافسية العالمية، حيث يواجه المصدر الإسرائيلي الذي يحصل على إيراداته بالدولار ويدفع تكاليفه التشغيلية ورواتب موظفيه بالشيقل، تآكلا سريعا في هوامش أرباحه.
وحذر البعض من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إغلاق مصانع وتسريح أعداد كبيرة من العمال، بل ودفع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى التفكير في نقل مراكز عملياتها إلى الخارج لتجنب ارتفاع التكاليف المقومة بالدولار.
ويشير هذا الخلل في التوازن المالي إلى عواقب وخيمة، تبدأ بتراجع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية في الأسواق العالمية وقد تنتهي بإغلاق منشآت حيوية وتسريح آلاف العمال.
والجدير بالذكر ان شركات التكنولوجيا الكبرى والمتعددة الجنسيات تلوح بنقل مراكز عملياتها إلى الخارج هربا من ارتفاع التكاليف المقومة بالدولار، مما قد يحرم الموازنة العامة من موارد ضريبية كبيرة ويضع الاقتصاد أمام اختبار حقيقي للموازنة بين «استقرار العملة» و«بقاء الصناعة».
موقف بنك إسرائيل
ويبدو أن الموقف الرسمي لبنك إسرائيل يميل حتى الآن إلى «الانتظار والترقب» دون تدخل مباشر في سوق الصرف، ويعود السبب في ذلك إلى الاعتقاد بأن قوة الشيقل تساهم في كبح التضخم عبر جعل الواردات والوقود أرخص ثمنا للمستهلك المحلي.
وبين البنك المركزي انه لا يرى في هذا الارتفاع «فقاعة» بل انعكاسا لمرونة الاقتصاد الأساسية وتحسن الوضع الجيوسياسي، لذا فهو يفضل عدم التدخل بمليارات الدولارات لموازنة السعر، طالما أن التقلبات لا تهدد الاستقرار المالي الكلي، رغم التحذيرات المتتالية من قطاع التصدير الذي يرى نفسه الضحية الأولى لهذه القوة التاريخية.
وقال المسؤول السابق في البنك المركزي الإسرائيلي، آشر بلاس، إن «الدولار ضعيف بشكل عام»، مشيرا إلى أن مكاسب الشيقل مقابل العملات الأخرى، مثل اليورو، كانت أقل، واضاف بلاس ان النظرة الإيجابية العامة للاقتصاد الإسرائيلي لعبت دورا أيضا.
وفي فبراير، قال صندوق النقد الدولي إن «الاقتصاد الإسرائيلي أظهر مرونة ملحوظة» رغم أكثر من عامين من الحرب الدامية والمدمرة مع حركة «حماس» في قطاع غزة، وتوقع صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي بنسبة 3.5 بالمئة عام 2026، متجاوزا نسبة 3.1 بالمئة التي سجلها المكتب المركزي للإحصاء عام 2025.
ولفت بلاس إلى أن الصادرات العسكرية قد تكون محركا مهما للنمو، إلى جانب قطاعات أخرى مثل تكنولوجيا الفضاء، لكن الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في أواخر فبراير قد تؤثر سلبا على الاقتصاد الإسرائيلي إذا استؤنفت الأعمال العدائية، وستتطلب من إسرائيل إنفاقا دفاعيا مرتفعا للغاية.





