حذر صندوق النقد الدولي من أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تمر بمرحلة اقتصادية دقيقة وغير مسبوقة في تاريخها الحديث.
وبين الصندوق أن الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي لم تكن مجرد نزاع حدودي عابر. بل تحولت إلى أزمة عميقة أثرت على الممرات الاقتصادية الحيوية. وأدت إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة العالمية وتعطيل سلاسل الإمداد.
واضاف الصندوق أنه في ظل هذه الظروف الصعبة. برز الاقتصاد السعودي كنموذج يحتذى به في القدرة على الصمود. حيث أظهر قوة وصلابة مكنته من تجاوز الآثار السلبية لإغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي. ويعود الفضل في ذلك إلى ركائز "رؤية 2030" التي عززت السياسات المالية المتينة والقدرة اللوجستية على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية.
وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي. الدكتور جهاد أزعور. خلال عرض تحديث "تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي" في واشنطن. الحرب الحالية بأنها تعيد تشكيل خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود. وأوضح أن توقف الملاحة في مضيق هرمز أدى إلى تعطيل تدفق 21 مليون برميل نفط يوميا. مما أدى إلى ارتفاع أسعار خام برنت إلى أكثر من 100 دولار.
وبين أزعور أن الصدمة لم تقتصر على النفط فحسب. بل امتدت إلى إمدادات الغاز الطبيعي. حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المئة. متجاوزة المستويات القياسية التي سجلت خلال أزمة أوكرانيا. مما أثر على أمن الطاقة العالمي.
وقال إن اضطرابات الطاقة الناتجة عن الحرب ستؤثر بشكل كبير على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز. بينما ستواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط. مثل مصر والأردن. صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.
وبشكل عام. توقع صندوق النقد الدولي أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤا ملحوظا في النمو هذا العام. حيث من المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المئة. أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب. قبل أن ينتعش في العام القادم.
واكد أزعور أنها ليست مجرد أزمة نفط وغاز. بل هي أيضا تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تنتج في المنطقة. والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر. خصوصا مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية.
واشار إلى أن دول المنطقة تورد 40 في المئة من صادرات الكبريت و20 في المئة من أسمدة النيتروجين عالميا. وأن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديدا مباشرا للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.
واضاف أن الصراع أثر على القطاع غير النفطي. حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي. لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجستية.
واشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتمادا كبيرا على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية. مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.
تجربة السعودية
اكد أزعور أن أحد أبرز الدروس المستفادة من الحرب وإغلاق مضيق هرمز. يكمن في ضرورة تنويع طرق التجارة كضمانة لاستمرار تدفق السلع والطاقة.
وفي هذا السياق. اعتبر أزعور أن النهج الذي اتبعته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي. حيث نجحت المملكة في تقليل حالة الهشاشة التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق. من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر وتوسيع شبكات الربط البري والسككي.
ويرى أزعور أن هذه الرشاقة السيادية في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى. مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع.
مصر
وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان تمكن البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.
واضاف أن هذه الإصلاحات سمحت لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة لامتصاص أي صدمة خارجية. كما أنها ساهمت في زيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات.
تفاوت إقليمي
رصد التقرير تفاوتا حادا في القدرة على امتصاص الصدمة. فبينما واجهت قطر خفضا تاريخيا في توقعات النمو نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز. أظهرت سلطنة عمان صمودا بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر. تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية.
وقال أزعور إنه في حال حدوث انتعاش في إنتاج النفط وفتح كامل لمضيق هرمز. فإن ذلك سيعني أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط. المتوقع أن يبقى مرتفعا مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حاليا بسبب الأزمة.





