ليبيا تتوصل لاتفاق تاريخي لتوحيد الميزانية العامة: خطوة نحو الاستقرار المالي

ليبيا تتوصل لاتفاق تاريخي لتوحيد الميزانية العامة: خطوة نحو الاستقرار المالي

في خطوة مالية بارزة، أعلنت ليبيا عن التوصل إلى اتفاق يهدف إلى توحيد الميزانية العامة والإنفاق الحكومي بعد انقسام دام أكثر من عقد، ويرى مسؤولون أن هذه الخطوة ستساهم في تحقيق الاستقرار المالي وتحسين سعر الصرف والمؤشرات الاقتصادية، بينما يعتبرها خبراء اختبارا لقدرة المؤسسات الليبية على إدارة المال العام بشكل موحد.

ويأتي هذا الاتفاق في ظل معاناة ليبيا من ازدواجية السلطة والانقسام الحكومي الذي أثر سلبا على المالية العامة والعملة المحلية والأسعار، واضعف ثقة القطاع الخاص.

وأظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن إيرادات عام 2025 بلغت حوالي 136.8 مليار دينار ليبي، وهو ما يعادل تقريبا حجم الإنفاق العام في الفترة نفسها، مما يشير إلى توازن في الحسابات.

وفي المقابل، بينت بيانات المركزي أن مصروفات حكومة الوحدة الوطنية تجاوزت 8 مليارات دينار، بينما قاربت نفقات المجالس السيادية الثلاثة نحو 3 مليارات دينار.

ضبط الإنفاق

لم يكن غياب الميزانية الموحدة مجرد خلل إداري، بل تحول إلى أحد أبرز مصادر الاضطراب الاقتصادي، فوجود حكومتين ومراكز قرار متعددة أدى إلى تكرار في الإنفاق وخلق مسارات صرف متوازية، ووسع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات في اقتصاد يعتمد على النفط.

وحسب البنك الدولي، بلغت حصة النفط والغاز من إجمالي صادرات ليبيا 94% عام 2024، وتشير البيانات إلى تراجع الصادرات غير النفطية إلى ما دون مليار دولار.

ويكتسب الاتفاق الجديد أهميته من كونه محاولة لإعادة جمع الإنفاق العام داخل إطار واحد يشمل المرتبات والنفقات التشغيلية والدعم ومخصصات التنمية، وتهدف الأطراف الموقعة إلى إنشاء آلية مشتركة للإشراف على الصرف والمتابعة الدورية والإفصاح عن الإيرادات والمصروفات لتعزيز الشفافية والرقابة.

وفي السنوات الأخيرة، شهد بند الرواتب تضخما كبيرا، إذ ارتفعت فاتورة الأجور من 9 مليارات دينار عام 2009 إلى نحو 67.6 مليار دينار عام 2024، لتشكل نحو 38% من إجمالي الإنفاق.

ويرى الخبير الاقتصادي علي منصور الصلح أن الاتفاق يمثل جدولا لتوحيد النفقات العامة وتوزيعها بين النفقات الاستهلاكية والاستثمارية.

إلا أنه يشير إلى أن فاعلية الموازنة الموحدة تعتمد على التزام الأطراف بضبط النفقات وعدم تجاوزها، لأن أي زيادة خارج هذا الإطار تمثل إخلالا بالاتفاق.

ويضيف الصلح أن حجم النفقات المعلن لا يزال أكبر من الحجم التوازني، إلا أنه قد يساهم في ضبط النفقات العامة واستخدامات النقد الأجنبي.

استقرار الدينار

يعد سعر صرف الدينار الليبي من أبرز المؤشرات المتوقع تأثرها بالاتفاق، ففي السنوات الماضية كان الدينار عرضة لضغوط متواصلة نتيجة التوسع في الإنفاق العام وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي.

ويقول الصلح إن توحيد الموازنة سيخلق قدرا أكبر من اليقين في السوق بشأن سعر الصرف، ومع وجود حجم إنفاق أكثر وضوحا، يصبح من الممكن تحديد الحجم الأمثل للنفقات، لكنه يشير إلى أن التحدي يرتبط أيضا بإيرادات النفط وبقدرة الدولة على تعزيز احتياطياتها من العملات الأجنبية.

ويذهب أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف في الاتجاه نفسه، إذ يرى أن توحيد الموازنة يعزز الانضباط المالي ويحد من الإنفاق الموازي، وهو ما يخفف الضغوط على سعر الصرف.

ويوضح الشريف أن ازدواجية الموازنة أسهمت في توسع إنفاقي غير مغطى، ورفعت الطلب على النقد الأجنبي، وعمقت العجز المالي، وأضعفت الشفافية والمساءلة، مما انعكس على استقرار الدينار.

ومن هذا المنطلق، لا ينظر إلى الاتفاق على أنه حل سحري، بل خطوة يمكن أن تساعد في تقليل الاضطراب في الاقتصاد، ومع ذلك تبقى هناك مخاطر قائمة مثل التوترات السياسية وتقلبات أسعار النفط.

هل تنعكس الخطوة على الأسعار والتضخم؟

على مستوى معيشة المواطنين، تبدو مسألة الأسعار والتضخم من أكثر الجوانب حساسية، فالليبيون يقيسون نجاح الاتفاقات المالية بقدرتها على تخفيف الضغوط اليومية المرتبطة بغلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية.

ويربط الصلح بين استقرار الأسعار ودور مصرف ليبيا المركزي في إدارة السيولة والسوق النقدية، مشيرا إلى أن الزيادة العامة في الأسعار مرتبطة بقدرة المصرف المركزي على تحقيق الاستقرار النقدي.

ويرى أن المرحلة الحالية تمثل فرصة للسياسة النقدية كي تستفيد من هذا الاتفاق في إدارة السيولة بشكل أفضل، بما يسمح بضبط السوق النقدية وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي.

ويؤكد أن الاتفاق يمكن أن يؤدي إلى قدر من الضبط في النفقات العامة، وهو ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الكلي ويمنح السياسة النقدية مساحة أوسع للتحرك.

لكن تحقيق هذا الأثر الإيجابي يبقى مرتبطا بعدة شروط، أهمها عدم اللجوء إلى طباعة النقود لتمويل الإنفاق، وعدم تراكم ديون تفوق قدرة الدولة على السداد، إلى جانب قدرة المصرف المركزي على ضبط حجم السيولة بما يتناسب مع الموارد الحقيقية.

ثقة المستثمرين

على صعيد الاستثمار، تبدو أهمية الخطوة كبيرة من ناحية الإشارات التي تبعثها إلى الداخل والخارج، فالمستثمر ينظر إلى وضوح المالية العامة واستقرار سعر الصرف وتماسك المؤسسات باعتبارها مؤشرات أساسية.

ويرى الشريف أن وضوح المالية العامة من شأنه أن يبعث إشارات استقرار للمستثمرين ويخفض علاوة المخاطر ويدعم نشاط القطاع الخاص، فحين تتراجع حالة عدم اليقين وتصبح قواعد الإنفاق أوضح، تتحسن قابلية الاقتصاد لجذب رؤوس الأموال.

لكن هذا التحسن المحتمل لا يزال رهينا بجملة من الشروط، في مقدمتها الالتزام بالشفافية والرقابة الفعالة واستمرار إنتاج النفط بعيدا عن التجاذبات السياسية.