صعود أسعار النفط يترقب مصير مضيق هرمز وسط تهديدات أمريكية

صعود أسعار النفط يترقب مصير مضيق هرمز وسط تهديدات أمريكية

تتجه أنظار أسواق النفط اليوم نحو تطور بالغ الأهمية يتمثل في التهديدات الامريكية بفرض حصار بحري على ايران بعد تعثر المباحثات الاخيرة.

ولم يعد التهديد بالحصار البحري مجرد تصعيد سياسي بل تحول الى متغير مباشر في تسعير الطاقة وعامل رئيس في اعادة احتساب اسعار النفط والغاز مع انتقال السوق من ترقب نتائج التفاوض الى تقدير الكلفة المالية للمخاطر الميدانية المتعلقة بحركة السفن داخل مضيق هرمز.

وجاءت الاستجابة سريعة حيث قفزت أسعار النفط بأكثر من 8% لتتجاوز 100 دولار للبرميل مع صعود خام برنت الى نحو 102 دولار وارتفاع الخام الامريكي الى حدود 104 دولارات وفق بيانات حديثة نقلتها رويترز.

وياتي ذلك في وقت يمر فيه نحو خمس امدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز مما يجعل اي اضطراب فيه ذا اثر مباشر وفوري على السوق.

وفي هذا السياق لم تعد الاسعار تقرا كرقم مجرد بل كترجمة لاحتمالات مفتوحة هل سيبقى المضيق مفتوحا ام سيعمل تحت ضغط ام سيتحول الى نقطة اختناق فعلي للامدادات؟

وقال الرئيس دونالد ترمب امس الاحد ان البحرية الامريكية ستبدا بفرض السيطرة على مضيق هرمز مما يزيد حدة التوتر بعد فشل المحادثات المطولة مع ايران في التوصل الى اتفاق لانهاء الحرب وهو ما قد يعرض وقف اطلاق النار الهش الذي يستمر اسبوعين للخطر.

ثلاثة سيناريوهات ترسم السوق

وضمن هذا المشهد قدم الخبير النفطي عامر الشوبكي في تصريحات للجزيرة نت قراءة تقسم مسار السوق الى ثلاثة سيناريوهات واضحة ترتبط بشكل مباشر بكيفية تنفيذ التهديد الامريكي وطبيعة رد الفعل الايراني.

FILE PHOTO: A vessel at the Strait of Hormuz, off the coast of Oman’s Musandam province, April 12, 2026. REUTERS/File Photo
سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل مسندم في موقع يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية (رويترز)
  • السيناريو الاول (اغلاق كامل) وهو الاخطر يقوم على استهداف ايران للسفن التي تمر دون تنسيق معها بالتوازي مع تطبيق الحصار الامريكي.

هنا يتحول المضيق الى منطقة اشتباك ويتجه فعليا نحو اغلاق كامل ليس بقرار احادي بل نتيجة تضاد في القيود المفروضة على الملاحة.

وفي هذا المسار يرجح الشوبكي ان تفقد السوق جزءا كبيرا من الامدادات مع امكانية تجاوز اسعار برنت مستوى 150 دولارا للبرميل خصوصا في ظل انتقال الضغط الى السوق الفعلية وشح البراميل القابلة للتسليم.

  • السيناريو الثاني (تعطل جزئي). وهو الاقرب للواقع الحالي ويقوم على تعطيل جزئي دون اغلاق كامل بحيث يبقى المضيق مفتوحا شكليا لكنه يعمل تحت تهديد مستمر.

وهذا يؤدي الى تراجع حركة الناقلات وارتفاع كلفة التامين مع بقاء السوق في حالة شد دائم.

وتدعم هذا الاتجاه مؤشرات ميدانية اذ تشير تقارير حديثة لرويترز الى ان بعض الناقلات بدات بالفعل تجنب المرور او اعادة تقييم مساراتها في ظل تصاعد المخاطر.

  • السيناريو الثالث (انفراجة). وهو الاقل خطورة يفترض ان تتمكن الولايات المتحدة من فرض عبور امن دون ان تقدم ايران على استهداف السفن سواء لعوامل عملياتية او لتجنب تصعيد اوسع.

في هذه الحالة قد تبدا الاسواق في التقاط اشارة انفراج تدريجي مع تراجع جزئي في علاوة المخاطر لكن دون عودة كاملة الى مستويات ما قبل الازمة.

رسوم العبور.. تكلفة محدودة ومخاطر مرتفعة

في موازاة هذه السيناريوهات تبرز زاوية اخرى تتعلق بمحاولات ايران اعادة تشكيل قواعد المرور في المضيق وفي هذا الاطار يقول خبير شؤون الطاقة هاشم عقل في حديث للجزيرة نت ان طرح فرض رسوم عبور على السفن خاصة ناقلات النفط عاد الى الواجهة كجزء من شروط محتملة لاعادة فتح المضيق مع تقديرات تتراوح بين دولار الى دولارين للبرميل او ما يعادل نحو 1-2 مليون دولار للناقلة الكبيرة.

ويشير عقل الى ان هذا الطرح رغم ما يثيره من جدل قانوني دولي يبقى تاثيره المباشر على الاسعار محدودا من ناحية التكلفة اذ قد يضيف نحو 1-2 دولار فقط للبرميل في حال تمريره الى السوق.

الا ان الاثر الاهم بحسب تقديره لا يكمن في الرسوم نفسها بل في علاوة المخاطر (تكلفة اضافية لتغطية احتمالات التهديد) حيث قد تضيف التوترات المرتبطة بالمضيق ما بين 5 الى 15 دولارا للبرميل نتيجة ارتفاع تكاليف التامين وتباطؤ الملاحة.

ويضيف ان العبء الاكبر سيقع على الدول المصدرة عبر المضيق لا سيما الخليجية بحكم اعتمادها الكبير على هذا المسار في حين يبقى تاثيره على المستهلك النهائي محدودا ما لم يتطور الى تعطيل فعلي او حصار شامل.

كما ان استمرار هذه الترتيبات في حال تطبيقها قد يدفع على المدى الاطول الى البحث عن بدائل لوجستية رغم محدوديتها وكلفتها المرتفعة يضيف هشام عقل.

السوق بين الاغلاق والتدفق

يتحدد اتجاه السوق حاليا وفق حالة المضيق بين تدفقات مضغوطة واحتمالات تعطل اوسع.

وفي هذا السياق يضيف مدير مركز معلومات ودراسات الطاقة مصطفى البزركان في حديث للجزيرة نت بعدا كميا لقراءة السوق معتبرا ان العامل الحاسم لا يكمن في فشل المفاوضات بحد ذاته بل في استمرار اغلاق مضيق هرمز بما يعني بقاء انقطاع نحو 12 مليون برميل يوميا من النفط الخام اضافة الى حصة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال ومشتقات الوقود.

ويشير هذا التقدير الى ان الصدمة لا تقتصر على النفط بل تمتد الى مجمل منظومة الطاقة وهو ما ينعكس على كلفة النقل والانتاج عالميا ويعزز الضغوط التضخمية.

وفي هذا الاطار يتوقع البزركان استمرار الاسعار فوق 100 دولار للبرميل مع ميل نحو مزيد من الصعود طالما بقيت التدفقات معطلة او غير مستقرة.

FILE PHOTO: High gasoline prices are displayed at a Mobil gas station in Nanuet, New York, U.S., April 2, 2026. REUTERS/Mike Segar/File Photo
اسعار مرتفعة للبنزين في محطة وقود في امريكا تعكس ضغوطا متزايدة على المستهلكين مع تقلبات اسواق الطاقة العالمية (رويترز)

كما يلفت البزركان الى ظاهرة لافتة في السوق الحالية تتمثل في تفوق النفط الاميركي على خام برنت في بعض الفترات نتيجة توجه المتعاملين نحو العقود الاقرب استحقاقا في ظل الحاجة الى براميل قابلة للتسليم الفوري وهو ما يعكس تحول مركز الثقل من السعر المرجعي الى البرميل المتاح.

توقعات المؤسسات

لكن ما يميز اللحظة الحالية هو ان توقعات المؤسسات الكبرى لم تعد كافية وحدها لقراءة السوق بل اصبحت تمثل خطا اساسيا تقاس عليه المخاطر.

فبحسب احدث التقديرات ابقى غولدمان ساكس على توقعاته الاساسية لاسعار برنت قرب 90 دولارا مع تحذير واضح من ان السيناريو الحاد قد يدفع الاسعار الى نحو 115 دولارا او اكثر في حال استمرار تعطل الامدادات.

كما يرى بنك باركليز ان متوسط 2026 البالغ 85 دولارا للبرميل يبقى مرهونا بعودة تدفقات هرمز محذرا من مخاطر صعودية اذا استمر التعطيل او تاخر التعافي.

وفي اتجاه مماثل رفعت مؤسسات مالية اخرى تقديراتها السنوية الى نطاق 80-85 دولارا مع تاكيد ان اي اضطراب طويل في المضيق كفيل بدفع الاسعار فوق هذه المستويات بشكل ملموس.

في المحصلة لا تتحرك اسعار النفط اليوم وفق مسار تفاوضي تقليدي بل وفق معادلة ميدانية واضحة هل تمر السفن ام لا وكيف تمر وبين انفراج محتمل وتعطيل مستمر وتصعيد مفتوح يبقى مضيق هرمز العامل الوحيد القادر على نقل السوق من مستوى 100 دولار الى مستويات اعلى بكثير او اعادة ضبطها في الاتجاه المعاكس خلال وقت قصير.