خسائر فادحة: نحالو لبنان يواجهون شبح زوال العسل بسبب الحرب والنزوح

خسائر فادحة: نحالو لبنان يواجهون شبح زوال العسل بسبب الحرب والنزوح

يواجه قطاع انتاج العسل في لبنان تحديات غير مسبوقة، حيث يجبر النحالون على النزوح وترك خلاياهم، مما يتسبب في خسائر فادحة تهدد هذا القطاع الحيوي بالزوال.

في منطقة البقاع، يروي النحال يوسف جاري قصة صبر تمتد لسنوات، مؤكدا أن النحل لم يعد مجرد مصدر رزق، بل رفيق يشاركه مرارة الحرب والنزوح.

ويقف جاري، الذي اتخذ من تربية النحل مهنة ومصدر دخل وحيد، ليوضح أن النحل كائن شديد الحساسية لا يحتمل ضجيج الحروب، فالغارات والقصف والحرائق لا تهدد النحل بشكل مباشر فحسب، بل تفكك هذه الممالك الصغيرة وتشتتها.

وقال جاري: "النحل حساس للغاية، فالأصوات القوية والاهتزازات الناتجة عن القصف تدفعه إلى هجر خلاياه، فضلا عن الروائح الناتجة عن الانفجارات التي تفسد البيئة الطبيعية التي يعتمد عليها في التغذية والتكاثر".

ضربات موجعة

واضاف جاري ان الخسائر لم تعد مجرد ارقام، بل تحولت الى ضربات قاسية تمس مصدر عيش عائلته بشكل مباشر، مبينا انه فقد خلال الربع الاول من عام 2024 نحو 8 خلايا، فيما خسر منذ اندلاع الحرب في مارس اذار وحتى اليوم قرابة 15 خلية اضافية، نتيجة عدم قدرته على الوصول الى المناحل الواقعة في مناطق النزاع.

وبين جاري ان المعاناة لا تقف عند حدود القصف، بل تمتد الى صعوبة تامين المستلزمات الاساسية، فالنحل يحتاج الى رعاية دورية وادوية خاصة لضمان استمراريته، وهو ما اصبح توفيره مهمة محفوفة بالمخاطر في ظل الظروف الراهنة.

واكد جاري ان صعوبة تامين المواد الاولية والادوية الضرورية اثرت بشكل مباشر على انتاج العسل، كما انعكست سلبا على قدرة النحل على التكاثر بشكل طبيعي.

ورغم وعورة الطرق المؤدية الى المناحل، ومخاطر الغارات اليومية، يبقى التمسك بالمهنة خيارا لا بديل عنه، قائلا: "نحاول قدر الامكان ان نبقى صامدين في هذا القطاع، رغم كل الصعاب التي تحيط بنا".

عقود من الكفاح والعمل

ومنذ عام 1992، لم تكن علاقة امين سر نقابة النحالين محمد الحلاني بالنحل مجرد عمل موسمي، بل ارتباط طويل امتد لاكثر من ثلاثة عقود، يقف اليوم شاهدا على واحدة من اصعب المراحل التي يمر بها هذا القطاع.

ويتحدث الحلاني للجزيرة نت بأسى عن واقع تربية النحل، مؤكدا انها ليست عملا عابرا، بل تحتاج الى متابعة اسبوعية دقيقة، موضحا ان منع النحالين من الوصول الى مناحلهم في الجنوب خلال هذا العام والعام الماضي ادى الى نتائج كارثية، اذ ان غياب النحال عن خلاياه في ذروة الموسم يدفع النحل الى الشعور بالاهمال ومن ثم هجر الخلايا.

ويروي الحلاني خسارته الشخصية التي تعكس معاناة مئات النحالين، اذ كانت خلاياه موزعة في جرد العاقورة، لكن الحرب جعلت الوصول اليها شبه مستحيل، ما ادى الى موت وهجرة عدد كبير منها.

وفي عام 2024 وحده، خسر نحو 60 خلية نحل دفعة واحدة، ولم ينج سوى 50 خلية تمكن من نقلها الى بلدته "الحلانية" في البقاع، في محاولة لانقاذ ما تبقى من سنوات عمله الطويلة، وسط مخاوف من تكرار الخسارة.

ولا يقتصر حديثه على تجربته الشخصية، بل ينقل صورة اوسع عن تراجع انتاجية العسل في لبنان، مؤكدا ان الحرب لم تدمر الخلايا فحسب، بل ضربت الدورة الاقتصادية للقطاع، داعيا وزارة الزراعة الى التدخل العاجل لتوفير الادوية والمستلزمات الضرورية لانقاذ ما تبقى من هذه الثروة.

رحلة نزوح قسرية

وبين بساتين الحمضيات في الجنوب وبرودة البقاع القاسية، تتجسد معاناة النحال محمد الايوبي، الذي اضطر الى نقل خلاياه في رحلة نزوح قسرية فرضتها الحرب.

ويروي الايوبي ان النحل كان يعيش في بيئة غنية ببساتين الليمون، قبل ان يضطر الى سحب الخلايا بشكل عاجل، ما ادى الى خسارة كاملة لموسم الحمضيات، الى جانب تعرض النحل لصدمة مناخية نتيجة نقله الى بيئة اكثر برودة، الامر الذي اثر سلبا على صحته وانتاجه.

ويصف حالة الذعر التي تصيب النحل جراء القصف، موضحا ان الاهتزازات الناتجة عن الانفجارات تدفع احيانا نصف الخلية الى الهروب والضياع في اتجاهات مجهولة، ما يفاقم الخسائر.

كما يحذر من تاثير المواد الكيميائية الناتجة عن الغارات، مشيرا الى ان اضرارها قد لا تظهر فورا، لكنها تتراكم تدريجيا، مهددة استدامة الخلايا على المدى البعيد.

ولا تتوقف الخسائر عند النحل نفسه، بل تمتد الى مصدر رزق العائلات، اذ يؤكد الايوبي ان النحال يتحمل خسائر مزدوجة تشمل تراجع الانتاج وضياع راس المال المستثمر في المعدات، في ظل ارتفاع كبير في تكاليف المستلزمات، ما يجعل الاستمرار في هذا القطاع تحديا يوميا.

ويضيف ان النحل يحتاج الى رعاية اسبوعية دقيقة، وهو ما بات صعبا في ظل المخاطر الامنية، حيث يتعطل نشاطه بالكامل تحت القصف، وتتحول الخلايا من مصدر للرزق الى عبء يحاول النحال الحفاظ عليه باي وسيلة.

تهديد يتجاوز العسل

ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود الخسائر الاقتصادية، بل تمتد الى تهديد التوازن البيئي، اذ يحذر نقيب النحالين ياسر العوطة من "خطر وجودي" يواجه قطاع النحل في لبنان.

ويؤكد العوطة ان تدمير المناحل لا يعني فقط فقدان العسل، بل يشمل تدمير المراعي الطبيعية التي يعتمد عليها النحل، من بساتين الحمضيات الى النباتات البرية، ما يهدد دورة الحياة البيئية باكملها.

ويلفت الى تغير سلوك النحل تحت تاثير الضوضاء والاهتزازات الناتجة عن القصف، حيث يتحول من كائن منتج الى كائن عدائي، ما ينعكس سلبا على دوره في تلقيح الازهار وانتاج العسل.

كما يشرح تاثير غياب النحالين عن خلاياهم، ما يؤدي الى اضطراب داخل الخلايا ودفع النحل الى "التطريد"، اي مغادرة الصندوق بحثا عن ماوى اخر، وهو ما يمثل خسارة يصعب تعويضها.

ويمتد التحذير ليصل الى صحة الانسان، اذ يشير العوطة الى ان المواد الكيميائية الناتجة عن الغارات قد تلوث العسل، ما يؤثر على جودته وسلامته، ويهدد المستهلكين بشكل مباشر.

وبين خسائر يومية متصاعدة وبيئة مهددة، تبدو تربية النحل في لبنان معركة بقاء مفتوحة، يخوضها النحالون في مواجهة حرب لا تكتفي باستهداف البشر، بل تمتد اثارها الى اصغر الكائنات واكثرها اهمية في دورة الحياة.