مناورات فلينتلوك 2026 في ليبيا هل تقرب توحيد الجيش؟

مناورات فلينتلوك 2026 في ليبيا هل تقرب توحيد الجيش؟

تتسارع الاستعدادات في مدينة سرت الليبية لاستضافة مناورات «فلينتلوك 2026» في منتصف الشهر الجاري بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ورغم استمرار الانقسام السياسي والعسكري، تظهر تصريحات لافتة من أطراف عسكرية من الجانبين تعكس توجها متناميا لتوظيف الحدث كمنصة للاقتراب من ملف توحيد الجيش.

وأثارت تلك الرسائل خلال الساعات الماضية تساؤلات حول ما إذا كانت المناورة التي ترعاها القوات الاميركية في أفريقيا قد تكتسب أبعادا أوسع من جانبها الميداني لتتحول إلى ما يشبه كلمة سر لخطوات متقدمة على طريق تشكيل جيش ليبي موحد وهو الهدف الذي ظل غائبا عن البلاد منذ انهيار نظام العقيد الراحل معمر القذافي.

تحول في الخطاب العسكري

بين خصوم الأمس في محاور القتال خلال حرب العاصمة طرابلس شهدت لغة الخطاب تحولا ملحوظا نحو مزيد من التقارب والتصالح، ففي شرق ليبيا بدا هذا التغير واضحا في تصريحات نائب قائد الجيش الوطني صدام خليفة حفتر الذي حرص على تضمين تصريحاته عن هذه المناورات رسائل تتحدث عن قدرة شباب ليبيا على الوحدة ومهنية المؤسسة العسكرية مشيرا إلى مشاركة عسكريين من طرابلس والمدن الليبية كافة في محاولة لإبراز كسر الانقسام بين الشرق والغرب.

والمغزى ذاته اعاد تاكيده شقيقه رئيس الاركان الفريق اول خالد حفتر بحديثه عن ان مناورة فلينتلوك تعكس حرص العسكريين على وحدة البلاد بل ذهب الى الحديث عن ان تدريب ورفع كفاءة ابناء المؤسسة العسكرية شرقا وغربا وجنوبا بمثابة دعم حقيقي لجيش ليبيا الذي سيلتئم بعون الله ليصونها ويحميها.

وفي المقابل قدم وكيل وزارة الدفاع في غرب ليبيا عبد السلام زوبي قراءة رمزية للحدث واصفا التمرين بانه لقاء البنادق التي طال بها الفراق في اشارة الى سنوات النزاع بل وذهب الى وصفه بانه تجسيد حي لارادة توحيد المؤسسة العسكرية.

وتلقى مراقبون هذه الرسائل المتبادلة بتفاؤل عززه اختيار سابق لسرت موقعا للمناورات باعتبار ما تمثله المدينة الواقعة في وسط الساحل الليبي من نقطة توازن جغرافي بين الشرق والغرب ما يمنحها طابعا محايدا نسبيا يتيح مشاركة قوات من مختلف المناطق.

سرت من بؤرة صراع إلى منصة تعاون

كما تقدم سرت في الخطاب الرسمي نموذجا للتحول من بؤرة صراع بعدما كانت احد ابرز معاقل تنظيم داعش الذي قضت عليه عملية البنيان المرصوص قبل سنوات الى منصة للتدريب والتعاون الدولي، ففي حين يبرز خطاب قيادة الجيش في شرق البلاد المدينة بوصفها انتصرت على الارهاب يعيد مسؤولون في غرب ليبيا تقديمها باعتبارها رمزا للالتقاء بعد سنوات من الانقسام.

توحيد رمزي أم خطوة حقيقية؟

لكن ورغم هذه الرسائل يرى عدد من الخبراء ان ما يجري لا يزال يندرج ضمن اطار التوحيد الرمزي وهنا قال وزير الدفاع الليبي الاسبق اللواء محمد البرغثي ان اجراء مناورة عسكرية في مدينة سرت بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد الى جانب عناصر من القيادة الاميركية في افريقيا لا يمكن اعتباره مؤشرا على توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وأوضح البرغثي في تصريح ان اجراء تمرين عسكري بين قوات تتبع قائدين مختلفين احدهما في غرب ليبيا والاخر في شرقها لا يعكس باي حال صورة جيش ليبي موحد تحت قيادة واحدة واضاف ان وحدة الجيش تعني وجود قيادة موحدة وخضوع جميع التشكيلات العسكرية لامرة رجل واحد يعرف بالقائد العام.

واعتبر البرغثي ان ما يحدث في سرت اقرب الى نموذج للتعاون العسكري بين قوى مختلفة وليس دليلا على توحيد الجيش الليبي مؤكدا ان تحقيق الوحدة العسكرية الحقيقية يتطلب اولا توحيد القيادة والقرار العسكري.

ولا تبتعد تقديرات الوزير الليبي السابق عما سبق ان رصده باحثون ليبيون من عقبات بنيوية تعرقل هذا التوحيد من بينها تعقيدات موروثة منذ عهد معمر القذافي وغياب عقيدة عسكرية موحدة فضلا عن تباين هياكل القيادة بين شرق البلاد وغربها حيث توجد قيادة عامة في الشرق مقابل نظام رئاسة اركان في الغرب.

وتاتي هذه التطورات في ظل انقسام سياسي بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس التي تتبعها مجموعات مسلحة والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة اسامة حماد في بنغازي والمدعومة من الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.

وتعد مناورات فلينتلوك التي انطلقت عام 2005 اكبر تدريب سنوي للقوات الخاصة في افريقيا وتهدف الى تعزيز قدرات مكافحة الارهاب وبناء الشراكات بين الدول المشاركة.

ورغم الطابع العسكري للمناورة ترى بعض التقديرات ان فلينتلوك تمثل محطة ذات ابعاد استراتيجية اوسع خصوصا مع حلول موعدها بعد ايام من اتفاق بين اطراف ليبية في الشرق والغرب على توحيد الموازنة العامة برعاية اميركية بعد سنوات من التعثر.

وفي هذا السياق يرى الباحث المتخصص في شؤون الامن القومي الليبي فيصل ابو الرايقة ان ما يجري يعكس مقاربة متكاملة لاعادة التموضع الاميركي داخل ليبيا والمنطقة ما يمنح الحدث اهمية خاصة من حيث التوقيت والدلالات.

وأوضح أن المشهد الليبي بات أقرب إلى مسار متكامل تتقاطع فيه الترتيبات العسكرية مع التفاهمات المالية معتبرا أن تزامن المناورات مع الدفع نحو توحيد الميزانية يعزز هذا الاتجاه.

وبحسب تقديره فان هذا التوازي بين المسارين الامني والمالي قد يشير الى توجه عملي لاعادة تشكيل مركز القرار في البلاد والدفع نحو توحيد الجهاز التنفيذي ضمن مظلة تجمع بين الابعاد الامنية والمالية.

وتشير تقديرات بحثية بينها اوراق صادرة عن المجلس الاطلسي الى ان استضافة فلينتلوك في ليبيا تحمل ايضا رسائل تتعلق بدمج البلاد ضمن منظومة امنية غربية بالتوازي مع موازنة النفوذ الروسي.

وبينما تعكس الخطابات المصاحبة للمناورات رغبة في الدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية يبقى التحدي الرئيسي بحسب مراقبين في ترجمة هذه الرسائل الى خطوات عملية تتجاوز الطابع الرمزي نحو اعادة هيكلة فعلية للجيش الليبي تحت قيادة موحدة.