يتوجه صناع السياسة الاقتصادية العالمية إلى واشنطن في محاولة لتقييم ومعالجة التداعيات الناتجة عن الازمات في منطقة الشرق الأوسط على النمو الاقتصادي العالمي.
ويجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين وسط حالة من القلق بسبب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، حيث تضع تداعيات الازمات والاستقرار المالي العالمي في مواجهة مباشرة مع اسوأ صدمة طاقة ونمو منذ عقود، مما يجعل هذه الدورة بمثابة منصة لوضع خريطة طريق اقتصادية وسط الأزمات الدبلوماسية.
وقبل أيام من انطلاق الاجتماعات، وجهت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا رسالة شديدة اللهجة للمشاركين بضرورة الاستعداد للصدمات، محذرة من أن المجتمع الدولي بات أقل قدرة على الاستجابة للأزمات المتلاحقة، كما بينت في تمهيدها للاجتماعات أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة أكثر هشاشة، حيث تتجه آفاق النمو نحو الانخفاض حتى في ظل أكثر التوقعات تفاؤلا.
وفي كلمتها الافتتاحية، قالت غورغييفا إن الاقتصاد العالمي يواجه الآن اختبارا قاسيا نتيجة صدمة جيوسياسية جديدة ناجمة عن الازمات في الشرق الأوسط.
واضافت ان التداعيات تتفاقم في مختلف القطاعات، فنقص الوقود المكرر يؤثر على النقل والتجارة، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف الأسمدة والخدمات اللوجيستية إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي العالمي، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن ملايين آخرين يُدفعون إلى براثن الجوع، مما يزيد من هشاشة الوضع العالمي أصلا.
وشددت غورغييفا على ضرورة وجود استجابات منسقة ومنضبطة، وحثت الحكومات على تجنب الإعانات غير الموجهة والتدابير الحمائية، مفضلة بدلا من ذلك تقديم دعم مؤقت وموجه للفئات الأكثر ضعفا.
ومن المقرر أن يصدر الصندوق يوم الثلاثاء تقرير آفاق الاقتصاد العالمي وسط توقعات شبه مؤكدة بخفض تقديرات النمو العالمي نتيجة الصدمة المزدوجة للازمة وتكاليف الطاقة التي أجهضت التعافي الذي بدأ مطلع العام.
تحصين المصدات المالية للصندوق
وفي خطوة استباقية لتعزيز قوته المالية قبل انطلاق الاجتماعات، وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على الإبقاء على الحد الأدنى الحالي للأرصدة الوقائية عند 20 مليار وحدة سحب خاصة (نحو 29 مليار دولار)، وتهدف هذه الأرصدة إلى توفير مصدات أمان لحماية الصندوق من الخسائر المحتملة الناجمة عن مخاطر الائتمان والدخل في ظل التقلبات الحالية.
واكد مديرو الصندوق أن حجم هذه الأرصدة تجاوز بالفعل 26 مليار وحدة سحب خاصة (حوالي 37 مليار دولار) بحلول أكتوبر الماضي، متخطيا الهدف المتوسط الأجل البالغ 25 مليارا، ومع ذلك، حذر المديرون من أن توقعات دخل الصندوق تظل رهينة حالة عدم يقين مرتفعة، خاصة مع تكثيف المخاطر النزولية على النمو العالمي الناجمة عن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ماراثون النقاشات التقنية
تبدأ الاجتماعات بجلسات فنية مكثفة، حيث يشهد الصباح مؤتمر التمويل القائم على السوق بمشاركة رئيس هيئة الأوراق المالية الأميركية بول أتكينز، كما تفتح ملفات الرقابة التشريعية على الديون بإشراف النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي دان كاتز، يتبعها الركن التحليلي الذي يسلط الضوء على قضية حساسة وهي تراجع المساعدات في أفريقيا جنوب الصحراء إضافة إلى بحث سبل تعميق التكامل التجاري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ كبديل للأسواق المضطربة.
ويعد الثلاثاء اليوم الأهم إعلاميا وتقنيا، حيث سيعلن كبير الاقتصاديين في الصندوق بيير أوليفيه غورينشاس توقعات النمو العالمي الجديدة، يليها مباشرة تقرير الاستقرار المالي العالمي.
وفي جلسة محورية بعنوان اقتصادات الشرق الأوسط في ظل الازمة سيناقش نائب مديرة الصندوق بو لي مع ممثلي شركة بلاك روك سبل إدارة الصدمات الاقتصادية في المنطقة، كما سيشهد هذا اليوم نقاشات حول اقتصاديات الأتربة النادرة وتأثير الذكاء الاصطناعي على نمو أوروبا.
وينصب التركيز يوم الأربعاء على مواجهة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة بمشاركة وزراء مالية من سويسرا وجامايكا.
وسيكون الحدث الأبرز هو المؤتمر الصحافي لغورغييفا التي ستعرض رؤيتها لإدارة الاختلالات العالمية، كما سيناقش وزير المالية القطري علي بن أحمد الكواري تجربة قطر في تحويل الصدمات إلى استراتيجيات نمو طويلة الأمد في جلسة خاصة مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق الدكتور جهاد أزعور.
ويوم الخميس تعقد مناظرة الاقتصاد العالمي التي تجمع غورغييفا مع محافظ بنك فرنسا ووزير مالية تايلاند تليها جلسة لوزير مالية اليونان حول أوروبا تحت الضغط.
لجنة الشؤون النقدية برئاسة الجدعان
وتتجه الأنظار يوم الجمعة إلى اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التي تعد المحرك الاستراتيجي والذراع السياسية لصندوق النقد الدولي، وتكتسب أعمال اللجنة أهمية استثنائية في هذه الدورة كونها تنعقد برئاسة وزير المالية السعودي محمد الجدعان الذي يتولى مهمة دبلوماسية اقتصادية رفيعة لتقريب وجهات النظر بين القوى الكبرى والناشئة وصياغة البيان الختامي الذي سيحدد بوصلة الاقتصاد العالمي للستة أشهر المقبلة.
ومن المتوقع أن تناقش اللجنة ملفات مفصلية ومنها:
- إدارة صدمة الطاقة: حيث تسعى اللجنة لتنسيق السياسات النقدية والمالية لمنع انزلاق العالم نحو ركود تضخمي طويل الأمد نتيجة تعطل إمدادات النفط والغاز عبر الممرات الحيوية، وهو ما يتطلب توازنا دقيقا بين كبح التضخم ودعم النمو.
- معضلة الديون السيادية: الدفع نحو تفعيل الإطار المشترك لمعالجة ديون الدول التي وصلت لمرحلة العجز عن السداد وهو ملف شائك يتطلب تنسيقا عاليا بين الدائنين الدوليين (نادي باريس) والدائنين الجدد لضمان استقرار النظام المالي العالمي.
- تعزيز السيولة العالمية: بحث إمكانية إجراء تخصيص جديد لحقوق السحب الخاصة وهي الأداة التي يسعى الصندوق من خلالها لدعم احتياطيات الدول الفقيرة التي تآكلت موازناتها تحت وطأة الازمة وارتفاع تكاليف الاستيراد.
ويرى مراقبون أن دور المملكة في رئاسة هذه اللجنة يمثل صمام أمان لضمان عدم تهميش احتياجات الجنوب العالمي وسط الصراعات الجيوسياسية، وسيكون المؤتمر الصحافي الختامي الذي سيعقده الجدعان مع غورغييفا يوم الجمعة هو اللحظة الحاسمة التي ستعلن فيها ملامح خريطة الطريق الجديدة ومدى قدرة دبلوماسية الأرقام على رتق الثقوب التي تركتها النزاعات السياسية وفشل المساعي الدبلوماسية الأخيرة.





