السعودية تستخدم قدرات البنك المركزي للنفط لمواجهة تداعيات هرمز

السعودية تستخدم قدرات البنك المركزي للنفط لمواجهة تداعيات هرمز

في ظل التحديات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية بسبب التوترات الجيوسياسية، برزت السعودية كركيزة أساسية في الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، حيث نجحت في احتواء تداعيات الأزمة التي أثرت على مضيق هرمز، وذلك بفضل استراتيجيتها الحكيمة وقدراتها اللوجستية المتقدمة.

واكد خبراء متخصصون أن خط الأنابيب الاستراتيجي "شرق-غرب" لعب دورا حاسما في تجاوز هذه الأزمة.

استراتيجية السعودية كبنك مركزي للنفط

اوضح عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي فضل البوعينين أن السعودية تعزز مكانتها كبنك مركزي للنفط العالمي من خلال إدارة فعالة وسياسات واضحة تهدف إلى تحقيق التوازن واستدامة الإمدادات، وبين أن هذا الدور تجسد بوضوح خلال أزمة مضيق هرمز، حيث تمكنت المملكة من تحويل مسار صادراتها عبر خط الأنابيب الاستراتيجي، وضخ حوالي 7 ملايين برميل يوميا إلى ميناء ينبع، لتلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير الخارجي.

واضاف البوعينين أن السعودية تمارس دورها بكفاءة عالية، وفقا لسياسة واضحة تعتمد على تحقيق التوازن الأمثل في الأسواق والتجاوب مع المتغيرات العالمية، بما يضمن استدامة إمدادات الطاقة دون انقطاع.

بدائل آمنة وموثوقية عالمية

واعتبر البوعينين أن امتلاك أرامكو السعودية لبدائل تصديرية آمنة مكن المملكة من تجاوز الأزمة وطمأنة الأسواق، مؤكدا أن هذه الموثوقية هي نتاج استثمارات ضخمة وطويلة الأمد في قطاعات الإنتاج والنقل، إضافة إلى بناء مخزونات خارجية استراتيجية تعمل كصمام أمان لأي انخفاض طارئ في الصادرات.

وشدد على أن أرامكو تلعب دورا محوريا في صياغة خطط الطوارئ الاستباقية للتعامل مع المخاطر الجيوسياسية الراهنة.

كبح جماح الصدمة النفطية

وفيما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز، أوضح البوعينين أن حجب خمس الاحتياج العالمي من النفط شكل صدمة حادة للاقتصاد الدولي وهدد أمن الملاحة، إلا أن البدائل السعودية خففت من وطأة الأزمة عبر استخدام المخزونات العالمية لتعويض النقص، واكد أن التزام المملكة تجاه عملائها وعدم لجوئها لإعلان "القوة القاهرة" كان العامل الحاسم في منع أسعار النفط من القفز فوق مستويات قياسية.

تحذير من تضاعف التداعيات

وحذر البوعينين من أن تداعيات الصدمة الحالية قد تتضاعف إذا لم يتوصل المجتمع الدولي لحل يؤمن الملاحة في المضيق، نظرا لارتباط ذلك بقطاعات حيوية كالزراعة والبتروكيماويات.

وتساءل حول كفاية الجهود الحالية، مؤكدا أن الاستقرار الحقيقي يتطلب ضمان تدفق النفط من كافة الدول المنتجة كسبيل وحيد لضبط الأسعار وطمأنة الأسواق بشكل مستدام.

الجغرافيا المرنة والبحر الأحمر كخيار استراتيجي

من جانبه، اكد رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية الدكتور عبد الرحمن باعشن أن الرياض نجحت في توظيف جغرافيتها المرنة عبر استثمار البدائل الملاحية التي تديرها أرامكو السعودية، مما عزز ثقة أسواق الطاقة العالمية بالرغم من تداعيات الصراع الإقليمي الراهن.

واشار باعشن إلى أن المملكة استطاعت إيجاد البديل المائي لمضيق هرمز عبر البحر الأحمر كخيار استراتيجي لتصدير البترول، الأمر الذي مكن أرامكو من الحفاظ على ضخ الطاقة بشكل انسيابي ومقدر، مرسخة بذلك الثقة الدولية في قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها تحت أصعب الظروف.

كبح جماح الأسعار وحماية الأمن الغذائي

وشدد باعشن على أن استمرار السعودية في ضخ إمداداتها عبر البحر الأحمر لعب دورا حاسما في كبح جماح أسعار الطاقة، فبالرغم من وصول سعر البرميل إلى مستويات معينة، فإن هذا التحرك الاستراتيجي منع السيناريو الأسوأ المتمثل في قفز الأسعار إلى مستويات اعلى.

واوضح أن هذا الالتزام السعودي لا يقتصر على استقرار أسواق الطاقة فحسب، بل امتد ليشمل تأمين مدخلات الإنتاج الزراعي والغذائي، مؤكدا على الدور المحوري والإيجابي للمملكة داخل منظومة أوبك وأوبك بلس في التحوط لآثار الحرب وحماية الاقتصاد العالمي من المخاطر ذات الصلة.

الموثوقية العالية والاستجابة التاريخية

من جهته، اكد الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم العمر أن السعودية برهنت على موثوقية استثنائية كمنتج رئيس للطاقة، إذ لم تستغرق أرامكو سوى ساعات معدودة من نشوء الأزمة لتحويل شحنات النفط من الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

واوضح العمر أن المملكة استحضرت في هذه اللحظة الحرجة بنية تحتية استراتيجية أنشئت قبل أربعة عقود لظروف مشابهة، لتتحول اليوم إلى درع طاقة للعالم أجمع.

واشار إلى قفزة هائلة في تدفقات النفط عبر خط "شرق-غرب"، واصفا هذه الزيادة بأنها تكشف عن مرونة تشغيلية نادرة لا تملكها سوى دولة تعرف بأنها البنك المركزي للنفط العالمي.

درع العالم أمام صدمات الأسعار الكارثية

وشدد العمر على أن الاستعداد الاستراتيجي للمملكة حافظ على نحو كبير من صادراتها، ليصبح خط الأنابيب صمام أمان فعليا أمام أشد صدمات العرض، وحذر من أن مضيق هرمز له تأثير مباشر على التسعير، إذ إن أي نقص في المعروض كان سيقفز بالأسعار إلى مستويات جنونية.

واشار العمر إلى أن استمرار الضخ السعودي عبر البحر الأحمر ساهم في إعادة النور إلى مشهد كان سيكون مظلما لولا تلك القدرات الاستثنائية، وهو ما أكده رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، حين صرح بأن الاستجابة السعودية السريعة وإعادة توجيه جزء كبير من الصادرات كانتا السبب الأكبر في منع خروج الوضع عن السيطرة.

تحدي التسعير العادل والدور الريادي إقليمياً

وحول استمرار التصدير السعودي في كبح الأسعار رغم تجاوزها مستويات معينة، أوضح العمر ضرورة التفريق بين السعر الراهن والسعر الذي كان سيسود في حال خلا الميدان من البديل السعودي، واكد أن توافر خط الأنابيب حال دون بلوغ مستويات سعرية مدمرة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ليظل الخط صمام أمان عالميا لأزمات الإمداد والتسعير.

وعلى الصعيد الإقليمي، وصف العمر السعودية بأنها قاطرة الاقتصاد الخليجي، مستندة إلى ركيزتين: القدرات الإنتاجية والبنية التحتية الجاهزة بعيدا عن بؤر الصراع في المنطقة، والدعم اللوجيستي في استيراد ونقل المنتجات الضرورية عبر المنافذ البحرية والجوية والبرية لكافة دول الجوار.

واختتم العمر حديثه بالتذكير بأنه لولا القدرات اللوجيستية السعودية لتعرضت المنطقة لكارثة حقيقية، مؤكدا أن المملكة وقفت وحدها لتقدم لأشقائها مستويات متعددة من الدعم: الممر البديل، والاستقرار النسبي للأسعار، والدعم اللوجيستي متعدد الأبعاد.